استمع إلى الملخص
- تعاني الأسر النازحة من نقص حاد في المساعدات الإنسانية، مما يزيد من الضغط النفسي والشعور باليأس، حيث لم تتلقَ العديد منها أي طرد غذائي أو أغطية.
- يشهد القطاع ارتفاعاً في إصابات الإنفلونزا والأمراض التنفسية، ويطالب الأطباء بتحسين الظروف المعيشية وتوفير الأدوية لتخفيف المعاناة.
في قلب قطاع غزة حيث تتراكم الخيام في مشهد يختصر وجع النزوح المتكرر، يعيش آلاف الفلسطينيين واقعاً قاسياً يتجاوز حدود الحرب والدمار إلى خوض صراع يومي مع الطبيعة، فالتغيرات المناخية المتسارعة جعلت حياتهم داخل الخيام معركة مفتوحة ضد الحر والبرد.
في النهار، تتحوّل الخيام فب غزة إلى أفران خانقة ترتفع درجات الحرارة داخلها إلى مستويات لا تحتمل، إذ لا تحمي الأقمشة الرقيقة من لهيب الشمس، ولا من انعدام التهوية، ويلتصق الأطفال بأرض ساخنة مغبرة، أما في الليل، فينقلب المشهد كلياً، وتنخفض درجات الحرارة بشكل حاد وتتحوّل الخيام نفسها إلى بيئة باردة تفتقر إلى أي وسيلة للتدفئة، فيرتجف الصغار تحت أغطية خفيفة لا تقيهم لسعات البرد.
ومع غياب الكهرباء وشحّ المياه وتدهور الخدمات الصحية، يصبح التأقلم مع التغيرات المناخية مهمة شبه مستحيلة. تنتشر الأمراض الجلدية والتنفسية بين الأطفال بسرعة، بينما يزداد الضغط النفسي على الأسر التي لم تجد بعد مأوى يحميها من تقلبات الطقس، ومن قسوة الواقع.
"الخيمة لا تحمينا. نار في النهار نار، وجليد في الليل". هذا ما تقوله عبير إنعيم (41 عاماً) التي فقدت بيتها في حيّ الدرج بمدينة غزة، واضطرت للعيش داخل خيمة قماشية تواجه داخلها مختلف التحديات اليومية جراء النقص الشديد في مقومات الحياة، إلى جانب التغيرات المناخية التي تزداد قسوة على أطفالها الأربعة. تضيف في حديثها لـ"العربي الجديد": "نحاول ترطيب الجو نهاراً برشة ماء، في حين أن هذه الماء لا تكفي للشرب. أرى أولادي الصغار يتصببون عرقاً في النهار، ويعانون من الكحة طول الليل من البرد، ولا يوجد كهرباء، أو مروحة، ولا بطانية كافية".
لم تتخيّل عبير التي كانت تجهّز بيتها بمختلف المستلزمات، أن تعيش كل هذه التفاصيل القاسية حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، وهذا الأمر بات يُصيب أسرتها باليأس والشعور بالظلم، خاصة مع الضعف الشديد في المساعدات الإنسانية.
من جهتها، باتت أمينة النجار (30 عاماً) تكره لحظة الغروب التي كانت تعشقها، لأنها محطة تحوّل من لهيب الشمس والارتفاع الكبير في درجات الحرارة داخل الخيمة، إلى برد قارس لا يحتمله أطفالها الثلاثة، وأكبرهم لا يتجاوز التاسعة من العمر. وتتحدث لـ"العربي الجديد" عن أن "حلول الليل يعني انخفاض درجات الحرارة، وتحوّلها إلى ما يشبه ثلاجة، فيرتعش أطفالي الذين لا يمكن أن تحميهم الأغطية الخفيفة. في النهار تحرقهم الشمس، وفي الليل يقسو البرد عليهم، ولا أعرف ما الأسوأ، لكنني مقتنعة بأن الواقع برمته سيئ وقاسٍ".
وتشير النجار إلى أن هذا الواقع يتزامن مع نقص كبير في الخدمات والمساعدات، وإلى أنها لم تستلم منذ عودتها الى مدينة غزة أي طرد غذائي، أو أغطية وشوادر، في حين تسبب طول أمد العدوان والنزوح في اهتراء الخيمة التي لم تعد تستطيع حمايتهم من الحر أو المطر.
أيضاً يشعر محمود السيد (39 عاماً) بعجز كبير أمام أسرته بسبب عدم قدرته على حمايتهم من الخوف والخطر طوال فترة الحرب، والآن من الحر والبرد، ويقول لـ"العربي الجديد": "جاءت التغيرات المناخية لتكمل فصول المعاناة التي نعيشها منذ بداية المقتلة".
ويذكر أنه يعيش مع أسرته من دون خدمات أو تعليم أو كهرباء، ويلتصق بهم شعور القلق وعدم الراحة بسبب ارتفاع درجات الحرارة نهاراً وانخفاضها ليلاً، و"ما يزيد هذا الشعور النقص الحاد في الأدوية التي تحمي أسرتي من التأثيرات القاسية للتقلبات".
ويقول الستيني أبو خالد عودة، وهو نازح من منطقة الزرقا شمالي قطاع غزة، لـ"العربي الجديد": "عشت حروباً كثيرة خلال حياتي، لكنني لم أتخيّل أن أرى قساوة هذه الحرب التي لا تزال تأثيراتها تفتك بالأطفال والنساء والشيوخ. وأيضاً بات تغير الجو العدو الجديد للمتعبين والمنهكين، وهو حار وقاسٍ وبارد ومتعب في الوقت ذاته، والبعض لا يتحمّل هذه الأجواء وأنا أحدهم. أشعر طوال الوقت بضيق في التنفس وألم في مفاصلي من البرد والرطوبة".
وتشهد محافظات قطاع غزة ارتفاعاً ملحوظاً في إصابات الإنفلونزا والأمراض التنفسية نتيجة التقلبات الحادة في الطقس بين ساعات النهار والليل. وفي وقت ترتفع درجات الحرارة نهاراً إلى مستويات غير معتادة في هذا الفصل، تنخفض بشكل حاد ليلاً وتسود أجواء باردة ورطبة تضعف المناعة وتزيد فرص انتقال العدوى الفيروسية.
ويوضح سمير أبو عمشة الذي يقيم مع أسرته المؤلفة من سبعة أفراد داخل خيمة منذ بداية العدوان، في حديثه لـ"العربي الجديد" أنه لم يعتد على الأجواء القاسية رغم طول أمد الحرب، والأشهر الطويلة التي قضاها داخل خيمة تتحوّل إلى فرن في النهار، وصقيع في الليل.
ويقول: "الأوضاع صعبة جداً، وتزيد التقلبات المناخية من صعوبتها، حيث يعيش الأطفال تحت الشمس الحارقة نهاراً، لكن ما إن تغيب الشمس حتى تنقلب الأمور، ويصبح الجو بارداً، وهو ما بات يؤثر على صحة أسرته".
ويخبر أن أولاده الخمسة يعانون من الإنفلونزا والكحة والحرارة والزكام، كما أنه مرض مع زوجته أكثر من مرة، ويقول: "الإنفلونزا منتشرة، والأدوية قليلة جداً. يعطوننا مسكنات ضعيفة في نقطة طبية، ويخبرني طبيب أن الطقس هو السبب، ولا حل إلا الوقاية، لكن كيف نقي أنفسنا ونحن نعيش وسط هذا البرد والغبار؟".
ويؤكد الأطباء والعاملون في القطاع الصحي ضرورة توفير الأدوية التي تخفّض الحرارة، ومضادات الفيروسات وأدوات الوقاية الشخصية، إلى جانب تحسين التهوية والنظافة داخل المخيمات، وتوفير أغطية وملابس شتوية ووسائل تدفئة آمنة قبل أن يشتد البرد في الأيام المقبلة.