صدمات غزة... كأنّ كل ما عاشه الفلسطينيون وقع قبل دقائق

01 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:57 (توقيت القدس)
وسط الدمار في مدينة غزة شمالي القطاع المنكوب، 20 نوفمبر 2025 (عمر القطّاع/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير الحرب على البنية التحتية والسكان: الحرب الإسرائيلية الأخيرة دمرت 90% من البنية التحتية في غزة، مما أدى إلى تشريد معظم السكان واستمرار معاناتهم تحت الحصار.

- المعاناة النفسية للناجين: يعاني الناجون من صدمات نفسية شديدة، خاصة الأطفال، بسبب فقدان الأحباء والعيش تحت الركام، مما يسبب لهم كوابيس وذكريات مؤلمة.

- التحديات الصحية النفسية: تدمير المرافق الصحية النفسية ونقص الكوادر والبرامج المتخصصة يعمق الأزمة النفسية في غزة، مما يتطلب تدخلات علاجية مبكرة وخاصة للأطفال.

في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة المنكوب، غير أنّ الفلسطينيين ما زالوا يعانون من صدمات الحرب الإسرائيلية الأخيرة وحصار الاحتلال المتواصل.

في قطاع غزة الذي أنهكته حرب إسرائيلية مدمّرة امتدّت على مدى أكثر من عامَين، يرزح الفلسطينيون تحت ثقل صدمات خلّفها ذلك العدوان بمختلف تفاصيله، وتلازمهم أعراض لا تفرّق بين صغير أو كبير، وإن كان الأطفال من الفئات الأكثر تأثّراً بالصدمات النفسية بحسب ما يُعتقَد. كيف لا وما عاشه أهل القطاع من مجازر وتهجير وفقدان أحباء ومنازل وإصابات وأمراض وغيرها من تفاصيل حرب الإبادة أمور لا يمكن لعقل تصوّرها في آن واحد؟ مع العلم أنّ الصدمة النفسية تُعرَّف بأنّها استجابة نفسية عند التعرّض لحادثة مروّعة أو اختبار تجربة مؤلمة.

إلى جانب الدمار الهائل الذي أتى على نحو 90% من البنى التحتية في القطاع المحاصر وطاول مئات آلاف الوحدات السكنية، جاعلاً أهل غزة بمعظمهم مشرّدين في أرضهم، حفرت صدمات الحرب عميقاً في نفوس كثيرين من هؤلاء؛ سواء أكانوا أطفالاً أم نساءً أم شبّاناً أم كباراً في السنّ. وهكذا لم تنتهِ معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة مع وقف إطلاق النار، فما قاسوه يتخطّى حدود القصف والخراب والموت، ويلاحقهم في كلّ تفاصيل حياتهم ما بعد الحرب ليمثّل عبئاً إضافياً عليهم. يأتي ذلك في حين أنّ الخروق الإسرائيلية العسكرية تتواصل، الأمر الذي يجعل هؤلاء يستعيدون ويلات العدوان التي عاشوها ويتخوّفون من تكرارها.

وليس من السهل بالنسبة إلى الذين فقدوا عائلاتهم أو أفراداً منها، والذين انتُشلوا من تحت الركام وهؤلاء الذين شاهدوا الموت يمرّ أمامهم أن يستعيدوا إيقاع حياتهم الطبيعية، كما لو أنّ شيئاً لم يكن. كذلك لا يكفي إنهاء الأعمال العسكرية لمحو كلّ الألم الذي عاشه قطاع غزة وأهله منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فالصدمات النفسية ترافق ضحيتها لفترات ممتدّة قد تصل إلى سنوات، وقد تلازمهم أحياناً مدى الحياة.

وكما في كلّ أزمة كبرى يعيشها شعب أو آخر، يرصد أهل الاختصاص صدمات نفسية بين الناجين منها. وفي قطاع غزة تكثر الصدمات بين هؤلاء الذين عاشوا قسوة الحرب الإسرائيلية وشراستها وتخطّيها في بعض أحداثها إمكانية استيعاب العقل البشري. واليوم، ما زالت الظروف المسيطرة في غزة تستدعي الذكريات المؤلمة، وتمنع الفلسطينيين من تفريغ ما يحملونه في صدورهم والتخلّص بالتالي من الصدمات وتبعاتها حتى لا يتحوّل الأمر إلى معاناة من اضطرابات ما بعد الصدمة.

الصورة
في مخيم البريج - وسط قطاع غزة - 29 نوفمبر 2025 (إياد البابا/ فرانس برس)
في مخيّم البريج وسط قطاع غزة، 29 نوفمبر 2025 (إياد البابا/ فرانس برس)

خوف وكوابيس

في واحدة من شهادات الناجين من الحرب الإسرائيلية الأخيرة، يخبر الفلسطيني نسيم الرضيع الذي يقيم في مخيم الزوايدة وسط قطاع غزة حكايته بقهر وذهول، كأنّ كلّ ما عاشه وقع قبل دقائق فقط. ويبدأ بإصابة والدته الخطرة قبل اعتقاله في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول 2023، ثمّ يشير نسيم إلى استهداف الاحتلال منزل عائلته، ما أدّى إلى استشهاد والده، قبل أن تلتحق به زوجته وأطفاله الثلاثة محمد وشيماء وصبا. هكذا، لم يتبقّ لنسيم من عائلته إلا طفلته سماء، التي لاقاها بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال قبل شهر تقريباً، من ضمن صفقة تبادل الأسرى.

يحكي نسيم لـ"العربي الجديد"، فيقول: "لم أكن على علم بكلّ تلك التفاصيل المؤلمة في خلال اعتقالي. وعند وصولي إلى مجمّع ناصر الطبي في خانيونس (جنوب)، حاولت التواصل هاتفياً مع زوجتي، لكنّ خطّها كان مغلقاً. حينها، اتصلت برقم هاتفي الخاص، فردّت شقيقتي. وسألتني: أهنّئك أو أعزّيك؟ عظّم الله أجرك بزوجتك وأولادك". يضيف: "بهذه الكلمات… انتهى كلّ شيء... وغبت عن الوعي". لم يحتمل نسيم الخبر، ففي الأساس كان بعده عن زوجته وأطفاله قاسياً جداً، ومن شدّة شوقه إليهم خاط أسماءهم على قطعة قماش في المعتقل. ويتابع: "صرت أصرخ: مرتي… أولادي… كنت أحلم بأن أخرج من المعتقل وأحضنهم. كلّ ليلة، كنت أحلم بهم. وبعد عامَين من الغياب، رجعت وما لقيت أحداً".

ما عاشه نسيم أصابه بصدمة نفسية، واحدة على الأقلّ، ولعلّ ملامحه وكذلك صوته الذي يبدو مثقلاً بالألم خير دليل على ذلك. ويقول: "أتمنّى أن أنام ليلاً من دون قلق"، ويلفت إلى أنّ "فجأة يشرد تفكيري إلى زوجتي وأولادي. ثمّ أتذكّر المعتقل والتعذيب مرّة، ومرّة أخرى أتذكّرهم. في كلّ يوم، أشعر بأنّني في شمال القطاع، وأنتظر حتى يرجعوا إليّ من الجنوب". ويقرّ نسيم بأنّ الحياة بالنسبة إليه "صعبة جداً" اليوم، ويشدّد على أنّه في حاجة فقط إلى "ليلة واحدة من النوم بلا خوف ولا كوابيس".

جرح مفتوح

من جهته، يخبر الفلسطيني حمزة أبو غبيّط كيف تغيّرت حياته في 23 أكتوبر 2024، عندما قُصف منزل عائلته في تلّ الزعتر شمالي قطاع غزة واستشهد 25 فرداً من عائلته دفعة واحدة، ليبقى هو الناجي الوحيد بعد أن علق تحت الركام طوال 11 ساعة. وبصوت مرتجف، يقول حمزة لـ"العربي الجديد": "كنت أسمع أصواتهم… كانوا لا يزالون على قيد الحياة. لكنّني كنت جريحاً ولا أستطيع التحرّك. كنت أسمعهم ولا أستطيع القيام بأيّ شيء… وهذا ما يوجع أكثر من أيّ شيء آخر". وبعد تمكّنه من الخروج، توجّه في منتصف الليل إلى المستشفى وأبلغ طواقم الدفاع المدني بأنّ ثمّة أشخاصاً أحياءً تحت الركام. لكنّ الوضع كان شديد الخطورة في المنطقة، ولم تستطع الطواقم الوصول إليهم.

ولا يخفي الشاب الفلسطيني أنّ "منذ ذلك اليوم، وأنا أعجز عن النوم. وفي كلّ مرّة أستمع إلى قصة مشابهة، يتكرّر المشهد أمامي، وأشعر بأنّني ما زلت تحت الركام". صدمة حمزة النفسية كبيرة، والأمر ليس بسهل إذ إنّ جثث أفراد عائلته ما زالت حتى اللحظة تحت الأنقاض، وهو ما يبقي الجرح مفتوحاً، ويمنعه من تجاوز ما خبره.

رائحة الدم ومذاقه

بدوره، يتعايش الفلسطيني محمد سلامة مع وجعه. ويخبر "العربي الجديد"، فيقول: "عندما استشهد ابن عمي، كنت أحتضنه… وغطّاني الدم"، مؤكداً أنّ "رائحة الدم ما زالت تلازمني". يضيف: "فقدت حاسة التذوّق. مذاق كلّ شيء، بالنسبة إليّ، صار مرّاً... مذاق كلّ شيء صار أشبه بمذاق الدم". وهو لم يعد قادراً على تناول الطعام مثلما كان يفعل قبل تلك الواقعة؛ قبل أن يستشهد ابن عمّه وسط الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة الذي غرق في الدم من جهته. ويوضح محمد أنّه كثيراً ما يعجز، اليوم، عن تناول أيّ طعام، في حين أنّ "النوم صار أشبه بمهمّة مستحيلة. بالكاد أستطيع إغماض عينَيّ". ويؤكد أنّ "ما حدث كان صادماً، ولم أستطع نسيانه، على الرغم من انقضاء أكثر من خمسة أشهر".

الصورة
في مخيم النصيرات - وسط قطاع غزة - 11 نوفمبر 2025 (إياد البابا/ فرانس برس)
في مخيّم النصيرات وسط قطاع غزة، 11 نوفمبر 2025 (إياد البابا/ فرانس برس)

بيئة "صادمة" في غزة

تفيد الإدارة العامة للطب النفسي التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة بأنّ تدمير مستشفى الطب النفسي الوحيد في غزة فاقم، إلى جانب تدمير ثمانية مراكز للرعاية النفسية الأولية، الأزمة القائمة، علماً أنّ ذلك يأتي في ظلّ غياب البرامج المتخصصة والنقص في الكوادر وفقدان أكثر من 70% من الأدوية الخاصة بالأمراض النفسية والعقلية، بحسب الإدارة.

وكان الاحتلال الإسرائيلي، في سياق استهدافه المنظومة الصحية في القطاع، قد دمّر مبنى مستشفى الطب النفسي في مدينة غزة (شمال) في خلال الشهر الأول من حربه الأخيرة. وهذا المستشفى كان يستقبل المصابين بأمراض نفسية وعقلية الذين تستوجب حالاتهم الاستشفاء. بالتالي، فإنّ الحالات المرضية النفسية صارت بلا رعاية، وهو أمر يمثّل خطورة على حياة هؤلاء المرضى، الذين كثيراً ما يواجهون مصيراً مجهولاً.

ولعلّ الحروب الإسرائيلية المتكرّرة على قطاع غزة منذ أكثر من 15 عاماً جعلت البيئة "صادمة"، بصورة دائمة. ويأتي ذلك في ظلّ ما يرافق تلك الحروب من نزوح جماعي، ودمار، وموت وسط المجازر، وغياب للاستقرار والأمان، وانهيار للمنظومة الصحية، وتحليق دائم للمسيّرات، وعدم القدرة على دفن الشهداء أو استعادة الجثامين. وفي ظلّ عدم توفّر بنية تحتية صحية نفسية مناسبة، ومع تدمير مراكز الدعم النفسي، يجد آلاف الناجين في قطاع غزة أنفسهم في مواجهة مصيرهم وحدهم، الأمر الذي يعمّق الجراح ويطيل الوقت اللازم للتعافي، ولا سيّما من الصدمات التي تُعَدّ ردود فعل عاطفية شديدة ومؤلمة تجاه حوادث صادمة أو مأساوية قد تهدّد حياة الإنسان أو سلامته.

الصدمات النفسية باختصار

في سياق متصل، يؤكد الطبيب المتخصّص في الأمراض النفسية والعقلية، سفيان مطر، أنّ الصدمات النفسية "ردات فعل تُسجَّل عند التعرّض لمشاهد غير اعتيادية أو عنيفة، مثلما يحدث في الحروب والانفجارات والقتل العلني". وعن أعراض الصدمات النفسية، يشرح مطر لـ"العربي الجديد" أنّ "لدى الأطفال يُسجَّل التبوّل اللارادي، والتلعثم، والالتصاق بالوالدَين، اضطرابات النوم، وفقدان الشهية أو فرطها. أمّا البالغون، فتُرصَد لديهم العزلة، والخوف، وفقدان الاهتمام، واضطرابات النوم، واستعادة الحوادث في الذاكرة، وتراجع العلاقات الاجتماعية". ويحذّر مطر من أنّ "عدم التدخّل قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض فيُسجَّل اكتئاب شديد، وقلق مزمن، وتوهّمات بدنية، واضطرابات سلوكية".

ويشدّد مطر على وجوب أن يأتّي "التدخّل مبكراً، ولا سيّما لدى الأطفال"، موضحاً أنّ ثمّة أنواعاً من العلاج، من بينها "العلاج الفردي من خلال جلسات أسبوعية لتعديل الأفكار وإعادة دمج الحدث، والعلاج السلوكي الذي يُستخدم مع الأطفال من خلال التعزيز الإيجابي أو التعرّض المدروس للمثيرات، والعلاج الأسري الذي يُصار في خلاله إلى إشراك العائلة في دعم الطفل، لكونها مصدر الأمان الأول. كذلك يأتي العلاج البيئي، من خلال التوعية في المدرسة والحيّ بكيفية التعامل مع الطفل، والعلاج بالفنون والرسم، وهي وسيلة للتفريغ الانفعالي لدى الأطفال والبالغين".

ويشير الطبيب المتخصّص بالأمراض النفسية والعقلية إلى أنّ "ثمّة حالات تشهد تحسّناً في خلال ثلاثة إلى ستّة أشهر، إذا توفّرت بيئة مناسبة لذلك"، لكنّه يستدرك، قائلاً: "نحن نعيش في بيئة ضاغطة. كلّ صوت انفجار يُعيد إلى الطفل كلّ ما سبق. لذلك يستمرّ اضطراب ما بعد الصدمة بنسب مرتفعة".

المساهمون