صحة الإيرانيين... أوجاع مواجهة الحرب والحصار والعقوبات
- الاستجابة والتكيف مع الأزمات: أظهرت الكوادر الطبية قدرة استثنائية على التكيف، حيث استمرت في تقديم الرعاية رغم التحديات، وعاد بعض الأطباء من الخارج لتقديم الدعم، وطور الخبراء المحليون حلولاً مبتكرة لصيانة المعدات الطبية.
- التلاحم والتضامن في القطاع الصحي: أظهرت الكوادر الطبية تماسكاً لافتاً، حيث استمرت في تقديم الرعاية رغم المخاطر، وقدمت 26 شهيداً، مما يعكس التزامها بالدفاع عن الحياة، وساهمت الجهود المبذولة في تقليل الاضطرابات الصحية.
يعتبر الطب أحد أبرز المجالات التي حققت فيها إيران اكتفاءً ذاتياً طوال أكثر من خمسة عقود، حتى بات لا يخطر في بال أي مواطن التوجه إلى الخارج لتلقي العلاج. لكن خلال الحرب الأخيرة باتت التحديات أكبر في ظل الحصار وارتفاع الأسعار.
بين نيران المواجهة الميدانية وطموحات الاكتفاء الذاتي المهددة، يجد القطاع الصحي في إيران نفسه في مواجهة مثلث الحرب والحصار والعقوبات. ووسط غبار القصف خلال أربعين يوماً من 28 فبراير/ شباط إلى 8 إبريل/ نيسان الماضيين، والذي طاول عشرات المستشفيات ومئات المراكز الصحية، خاضت الكوادر الطبية حرباً معاكسة للذود عن الحياة. ومع سقوط العديد من الضحايا من الأطباء والممرضين كانت المنظومة الصحية خط الدفاع الإنساني الأخير الذي تحمّل الأضرار، لكنها واصلت نشاطها وتقديم خدماتها.
وتنقسم تداعيات الحرب على الصحة العامة في إيران إلى الآثار المباشرة التي تشمل تدمير البنى التحتية الصحية، وسقوط قتلى ومصابين، والنزوح واللجوء، والصدمات النفسية، وتزايد مخاطر الأمراض، ومشكلات التغذية، وأخرى غير مباشرة ترتبط بعدم الاستقرار الاقتصادي، وتصاعد الجريمة والعنف، وتدهور البيئة، وتزايد الاضطرابات النفسية في المجتمع، وانخفاض نسب التغطية باللقاحات، ومحدودية الوصول إلى الأدوية والمستلزمات الطبية، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال وحديثي الولادة والمسنين وذوي الإعاقة.
كما حصل في غزة ولبنان، تحوّلت المنشآت الصحية الإيرانية إلى أهداف للحرب، وفي 16 أغسطس/ آب الماضي، كشف رئيس منظمة النظام الطبي الإيراني محمد رئيس زاده تضرر 200 مركز صحي وعلاجي و60 مستشفى ونحو 300 سيارة إسعاف جراء الهجمات، وأوضح أن نحو 80 ألف مليار ريال (نحو 50 مليون دولار بسعر الصرف أيام الحرب) من الخسائر لحقت بالقطاع الخاص وحده جراء استهداف المنشآت الصحية.
وأفاد رئيس زاده بأن القطاع الصحي قدّم 26 شهيداً خلال الحرب، من بينهم ثمانية أطباء، وأكد أن "الدفاع عن البلاد وصمودها لم يقتصر على المنظومات العسكرية والحدود ومنصات إطلاق الصواريخ، بل تجسّد في أداء الكوادر الصحية، إذ عاد عدد من الأطباء المقيمين في الخارج طوعاً إلى البلاد في ظل الظروف الحرجة، وحصلوا على تراخيص عمل لتقديم الرعاية الطبية".
وفي حوار مع "العربي الجديد" يعرض المتحدث باسم المجلس الطبي الإيراني رضا لاري تحديات القطاع الصحي في ظل الظروف الحربية الراهنة، ويؤكد أن "المنظومة الصحية في إيران استندت في نشاطها في هذه الظروف إلى رصيد من الخبرات الغنية التي اكتسبتها خلال حرب السنوات الثماني مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، ما سمح لها بالعمل بكفاءة عالية، فلم يسجل أي تفشٍ للأوبئة خلال حربي يونيو/ حزيران 2025 وفبراير/ شباط 2026. وأثبتت الكوادر الصحية قدرة استثنائية في مناطق المواجهة، حيث تلقى المقاتلون في الخطوط الأمامية رعاية طبية متكاملة، بينما حافظت المنظومة على سلامة مصادر المياه والمواد الغذائية من التلوث". لكنه يستدرك بأن "الحرب الحالية ألحقت أضراراً جسيمة بقطاع التعليم الطبي الذي يمثل المحرك الأساس لنظام الصحة، وتحديداً على صعيد كفاءة أعضاء الهيئة التدريسية ورأس المال البشري في القطاع الصحي".
ويوضح أن "ظروف الحرب شلّت حركة التواصل العلمي بعدما توقفت رحلات الأكاديميين لحضور المؤتمرات العلمية، وانقطعت الروابط بين الجامعات الإيرانية ونظيراتها الدولية، كما أن انقطاع الإنترنت فترات طويلة عرقل أنشطة البحوث وصعّب إرسال المقالات العلمية إلى المجلات الدولية المرموقة، وفرض غياب الحضور في الدورات التعليمية والبرامج الدولية التي يحتاج إليها الأطباء للتعرف إلى أحدث تطورات العلم والمعرفة. لكن خبراء وعلماء إيرانيين في مختبرات ومراكز تشخيصية، مثل مراكز الأشعة والتصوير الطبي، استطاعوا تحويل هذه القيود إلى فرص، وابتكروا حلولاً محلية لإصلاح المعدات وصيانتها ذاتياً، وتجاوزوا آثار التخريب الناتج عن العقوبات والحرب والحصار، وأثبتوا قدرتهم على التكيّف مع نقص الإمدادات التقنية".
إلى ذلك يتحدث لاري عن التنسيق الميداني بين مختلف القطاعات الصحية خلال أيام الحرب، ويقول إن "القطاع الصحي عمل بحالة تأهب قصوى، إذ توّلت الكوادر الطبية العسكرية العبء الأكبر في التعامل مع إصابات الحرب، وقدمت وزارة الصحة الدعم اللوجستي والفني اللازمين".
ويخلص لاري إلى أن "الوضع الصحي العام في البلاد لا يزال مقبولاً، حيث لم يسجل أي عجز جوهري في قبول المرضى بالمستشفيات أو في برامج الوقاية الصحية". ويقرّ بـ"وجود تحديات في توريد بعض الأدوية وإجراءات صيانة وتحديث الأجهزة الطبية المعقدة، وتتعامل الكوادر مع هذه المشكلات عبر العمل الدؤوب".
ورغم الاستهداف المباشر للمنشآت الصحية والصعوبات التي واجهها القطاع الصحي الإيراني، يؤكد رئيس مركز إدارة الأمراض الانتقالية في وزارة الصحة قباد مرادي مواصلة تقديم الخدمات الوقائية، من بينها توفير أكثر من 700 ألف خدمة تطعيم للفئات المستهدفة في عموم البلاد خلال فترة الحرب.
ويوضح أن نحو 20 ألف مريض بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) وستة آلاف مريض بالسل واصلوا تلقي خدماتهم العلاجية والأدوية المقررة بانتظام طوال فترة الحرب. كما يلفت إلى أن فرق الرصد والتقصي تتابع يومياً المخاطر المرتبطة بسلامة مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي، ونجحت في احتواء بؤر الأوبئة المحدودة التي ظهرت في بعض المناطق، ومنعت تفشي الأمراض المنقولة بالمياه في ظل تضرر البنى التحتية.
ويتحدث رئيس مستشفى ابن سينا في طهران، آرش أنيسيان، لـ"العربي الجديد"، عن أن تأثير الحرب على قطاع الصحة والعلاج في إيران كان عميقاً في قطاعات صحية عدة، خصوصاً المستلزمات الطبية والأدوية، ويشير إلى أن إلغاء سعر الصرف المدعوم عن العديد من المستلزمات الطبية، التي كان المواطنون يحصلون عليها بأسعار أقل، جعل أسعارها باهظة، ما زاد الضغط على المرضى وأدى إلى عجزهم عن دفع تكاليف العلاج. كذلك أدى تأخر تسديد مستحقات المراكز العلاجية، في ظل تضخم اقتصادي يتجاوز 80%، إلى اضطراب شديد في عمل هذه المراكز.
ويذكر أيضاً أن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تجاوزت 130% أثر في شكل حاد على خدمات الضيافة في المستشفيات، كما تسبب ارتفاع أسعار المنتجات المرتبطة بالبتروكيمائيات، مثل المستلزمات الطبية ذات الاستخدام الواحد، بنسب تراوح بين 300 و400%، زاد تكاليف المواد الاستهلاكية الطبية بشكل كبير، ورغم ذلك بقيت أسعار الخدمات الطبية ثابتة، ما يخفف العبء عن المواطنين، لكنه يولد استياءً في أوساط المجتمع الطبي، كون تكاليف معيشتهم والنفقات الجارية تزداد وفقاً لمعدل التضخم، بينما تظل أجورهم ثابتة من دون تغيير".
وفي ما يتعلق بآثار الحصار على القطاع الصحي، يؤكد أنيسيان أن "توفير قطع غيار المستلزمات الطبية يواجه اضطرابات شديدة. وبات تأمين المواد الاستهلاكية وإجراء عمليات صيانة شاملة أمرين صعبين وباهظي الكلفة، بسبب ارتفاع تكاليف الشحن إثر الحصار، ويتعطل كثير من المعدات الطبية بسبب نقص قطع الغيار، وقد يستغرق إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة أشهراً، أو قد يكون ذلك غير ممكن في بعض الأحيان".
ويذكر أن "وزارة الصحة الإيرانية بذلت قصارى جهدها لضمان عدم حدوث أي خلل في تقديم الخدمات العلاجية وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، ما قلّص حجم الاضطرابات، لكن ذلك حصل بكلفة باهظة وجهود مضنية". ويبدي قلقه من أن "نفاد المخزونات الاستراتيجية سيجعل المنظومة تواجه تحديات جدية في تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية للمرضى، كما أن عدم قدرة الحكومة على تصدير النفط سيجعلها تعاني من نقص حاد في العملة الصعبة، ما يؤخر توفير العملة للأدوية والمعدات الطبية، وهذا بدوره يعطل سلسلة توريد السلع والخدمات الصحية. وقد ارتفعت أسعار الخدمات الطبية بنحو 54% في المتوسط منذ ما قبل الحرب، وأسعار الأدوية والمعدات بنسبة وصلت إلى 500% أحياناً".
وقد فرضت الحرب واقعاً جديداً من التلاحم في القطاع الصحي لمواجهة تبعاتها الإنسانية، إذ يؤكّد رئيس منظمة التمريض الإيرانية أحمد نجاتيان أن الكوادر التمريضية أظهرت تماسكاً لافتاً، عبر تسجيل أدنى معدلات لترك الخدمة خلال فترات المواجهة. ويشير إلى أن قطاع التمريض قدّم 11 شهيداً خلال الحرب الأخيرة و5 شهداء خلال حرب يونيو 2025، ولبّى نحو خمسة آلاف ممرض وممرضة نداء المنظمة التي خاطبت المنظمات الدولية لإدانة استهداف المراكز العلاجية، عبر مراسلة مجلس حقوق الإنسان من خلال المجلس الدولي للتمريض (ICN) لشرح التداعيات الإنسانية والخسائر المادية الناجمة من الحرب. يتابع: "شهدت هذه الفترة تراجعاً في الشكاوى بين الكوادر التمريضية، وتفخر المنظمة بأن نسب ترك الخدمة انحدرت إلى مستويات قياسية أثناء الحرب، وتدنّت عن معدلاتها في الظروف الطبيعية، كما وصلت نسبة الغياب، التي قد تصل إلى نحو 1% في الفترة العادية، إلى أقل من نصف في المائة خلال الحرب".