شهادات للبيع... سمعة الجامعة المغربية تحت المجهر

29 مايو 2025   |  آخر تحديث: 03:15 (توقيت القدس)
جامعة فاس في المغرب، 13 مايو 2014 (فاضل سنتا/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قضية الفساد الجامعي في المغرب أثارت جدلاً واسعاً بعد اعتقال أستاذ بجامعة ابن زهر بأغادير بتهم التلاعب في ملفات الماجستير وبيع الدبلومات، مما أدى إلى تحقيقات موسعة من قبل لجنة وزارية.

- يشير خالد البكاري إلى أن الفساد في الجامعات جزء من نسق مؤسساتي أوسع، مع غياب الإرادة السياسية واستراتيجيات فعالة لمحاربته، مما يسهم في انتشاره.

- يؤكد إسماعيل حمودي على تأثير التحولات القيمية في المجتمع على الجامعات، مشدداً على أهمية تعزيز النزاهة والشفافية، بينما يرى حفيظ الزهري ضرورة دعم الجامعة للحفاظ على مكانتها.

تواجه منظومة التعليم الجامعي في المغرب امتحاناً حقيقياً يضع سمعتها على المحك، عقب اعتقال أستاذ جامعي بقضية منح شهادات جامعية مقابل المال

تحوّلت قضية اعتقال أستاذ جامعي في كلية الحقوق بجامعة ابن زهر في أغادير (وسط البلاد) مؤخراً إلى قضية رأي عام، إذ اشتُبه في تلاعبه بملفات تسجيل درجة الماجستير، فيما يمكن وصفه بأخطر ملفات الفساد الجامعي.
وكان قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف في مراكش قد أمر في 13 مايو/ أيار الجاري بإيداع الأستاذ الجامعي سجن لوداية بتهمة الاتجار في الدبلومات الجامعية. وجاء الاعتقال بعد أشهر من تحقيقات الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بمراكش، حول شبهة التورط في بيع الدبلومات والتسجيل في الماجستير مقابل رشى.
كذلك قرّر قاضي التحقيق متابعة زوجة الأستاذ الجامعي التي تعمل محامية، ورئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية في مدينة آسفي وابنه، وهو محامٍ متمرن، بصفتهما مشتبهاً فيهما، بالإضافة إلى محامين متمرنين آخرين، مع إخضاعهم لإجراءات المراقبة القضائية.
وبحسب ما أوردته وسائل الإعلام المحلية، فقد كشفت التحقيقات التي باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية عن شبكة منظمة متورطة في إصدار شهادات الماجستير مقابل مبالغ مالية ضخمة وصلت إلى 250 ألف درهم مغربي للفرد الواحد (ما يعادل 25 ألف دولار أميركي)، رغم عدم حضور المعنيين أي دروس أو اجتيازهم اختبارات الالتحاق بالماجستير. كما أسفرت التحريات عن ضبط تحويلات مالية مشبوهة بلغت 80 مليون درهم مغربي (أو ما يقارب ثمانية ملايين دولار أميركي)، جرى تحويلها إلى حساب زوجة الأستاذ المعني.
وأثارت القضية جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي وامتدت إلى البرلمان، حيث طُرح العديد من الأسئلة بشأن ما اعتبر سابقة في تاريخ التعليم العالي المغربي. كذلك باشرت لجنة وزارية من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ابتداء من 21 مايو/ أيار الجاري، تحقيقاً موسعاً حول الموضوع.

وتعليقاً على ما اعتبر واحدة من أخطر الفضائح التي تهز مؤسسات التعليم العالي بالبلاد، يقول الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي خالد البكاري إنه لا يمكن فصل الفساد الذي يستشري في الجامعة عن قضايا الفساد في باقي المؤسسات، والذي يُظهر بجلاء غياب أي استراتيجية وطنية فعلية لمحاربته رغم وجود قوانين رادعة، ومؤسسات وطنية مختلفة تأسست لهذا الغرض، كالمجلس الأعلى للحسابات، واللجنة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة والوقاية منها، والمفتشيات بكل الوزارات، فضلاً عن غياب أي إرادة سياسية لمواجهة هذا الفساد.
ويضيف البكاري، لـ "العربي الجديد ": "ما يؤكد ذلك أن الكثير من القضايا المثارة اليوم أمام المحاكم، بما فيها قضية بيع الدبلومات الجامعية، كانت محط شكايات واحتجاجات وكتابات في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، وكان جواب الجهات المسؤولة إما غض البصر، أو حفظ الشكاوى أو تحريك متابعات في حق فاضحي الفساد، مما لا يدل فقط على حماية المتورطين في هذه الوقائع، بل على وجود نسق مؤسساتي لضمان استدامة الفساد، بحيث يمكننا الجزم بوجود اقتصاد غير مهيكل وسري ينتعش في هذا الجو الموبوء"، معتبراً ما حصل في الجامعات "جزءاً من هذا النسق البنيوي".


ويرى البكاري أنه يمكن إضافة عامل آخر للجامعة بجانب الفساد يتعلّق برفض الدولة دمقرطة الجامعة، قائلاً: "مناصب الرئاسة في الجامعة وكذلك عمادة الكليات تخضع لآلية التعيين وليس الانتخاب، كما أن مجالس المؤسسات في الجامعات والكليات والتي تمثل الأساتذة والموظفين والطلبة لا تتمتع بصلاحيات كبرى بخصوص التسيير والرقابة، وهو الأمر الذي يساعد في انتشار مثل هذه الظواهر، والتي تكون أحياناً بتواطؤ من رؤساء الجامعات المعينين". ويرى أن "مواجهة الفساد لا يمكن أن يكون لها أي مفعول حقيقي ومستدام دون أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية للانتقال نحو الديموقراطية، أما الحملات الموسمية فلا تمس النسق الذي سرعان ما يستعيد اشتغاله".
من جهته، يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، إسماعيل حمودي، أن الجامعة مؤسسة يسري عليها ما يسري على مؤسسات الدولة والمجتمع، تؤثر وتتأثر، والمجتمع كما الدولة يعيش تحولات قيمية عميقة، منها بروز النزعة الفردية البراغماتية والانتهازية. يضيف لـ"العربي الجديد" أن ما يحدث في الجامعة يعبر عن تلك التحولات، مثل "الماستر مقابل المال"، أو "الدكتوراه مقابل المال"، بل "المنصب أيضاً مقابل المال"، ورغم كونها تجاوزات محدودة حتى الآن، لكنها موجودة.

قضايا وناس
التحديثات الحية

ويرى حمودي أن ما وقع يمكن تفسيره بـ"هشاشة الجامعة أمام ضغوط رأس المال في المجتمع، مقابل تنامي النزعة الربحية والرغبة في الاغتناء بمختلف الوسائل، المشروعة وغير المشروعة. ولعل ما تشير إليه التقارير الرسمية من تفشي للرشوة والفساد في المؤسسات دليل قوي على التحول، والذي لا يمكن أن تسلم منه الجامعة بطبيعة الحال". كذلك يمكن تفسير ما وقع بـ"ضعف قيم النزاهة والفضائل المدنية، مثل الرقابة والمحاسبة والشفافية وأخلاقيات البحث العلمي، وهي القيم التي تحافظ على قوة المؤسسات وتصون مصالح مختلف الأطراف فيها"، كما يقول حمودي، معتبراً أن ما يحدث من حين إلى آخر يكشف عن اختلال في هذه القيم.
في المقابل، يلفت الباحث المغربي حفيظ الزهري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الجامعة المغربية لعبت دوراً إجتماعياً وثقافياً وسياسياً منذ تأسيس أولى لبناتها، حيث تخرج العديد من الأطر التي حملت مشعل تأطير المجتمع المغربي لما بعد الاستقلال، والتي أنتجت بدورها كفاءات في العديد من المجالات قادت البلاد إلى ما نحن عليه اليوم اقتصادياً وإجتماعياً".
ويقول: "الجامعة المغربية تعرضت عبر تاريخها لصدمات لم تستطع النيل من هيبتها، ولم تكن يوماً فاسدة كما يحاول البعض تسويقها اليوم. صحيح هناك حالات جانبية لبعض عديمي الضمير، لكن لا يمكن لسمكة واحدة فاسدة أن تفسد كل الجامعة المغربية"، مشدداً على أن الجامعة المغربية تحتاج اليوم إلى الدعم وليس إلى أساليب الهدم والإجهاز على ما تبقى من كرامتها.

المساهمون