شح الأنسولين في غزة... مرضى يصارعون للبقاء أحياء

13 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:24 (توقيت القدس)
الأدوية شحيحة جداً في غزة، 9 نوفمبر 2025 (سعيد جرس/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني قطاع غزة من نقص حاد في الأنسولين بسبب الحصار وانقطاع التمويل، مما يهدد حياة نحو ثمانين ألف مريض ويؤدي إلى نقص في الإمدادات الطبية.
- يضطر المرضى إلى تقنين الأنسولين أو استخدام بدائل خطيرة، مما يسبب مضاعفات صحية خطيرة مثل الفشل الكلوي وأمراض القلب، في ظل توقف المتابعة الطبية.
- يطالب المسؤولون في غزة المنظمات الدولية بتوفير الأنسولين ودعم مستدام، حيث لا تزال الأدوية شحيحة رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مما يفاقم الأزمة الصحية.

تتشابك الأزمات الإنسانية والطبية منذ سنوات في قطاع غزة وقد زادت خلال حرب الإبادة الأخيرة ولا تزال، حيث يخوض المرضى معارك يومية للبقاء أحياء بلا أدوية.

يبرز شح دواء الأنسولين بوصفه أحد أخطر التحديات التي تهدد حياة نحو ثمانين ألف مريض بالسكري في قطاع غزة المحاصر والمدمّر، فهذا الدواء الحيوي لمرضى السكري يندر في المستشفيات والمراكز الصحية جراء النقص المزمن للإمدادات الطبية الناتج من الحصار المفروض على القطاع منذ بداية عدوان 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومن انقطاع التمويل الخارجي، وتراجع المساعدات الدولية التي كانت تغطي جزءاً كبيراً من احتياجات وزارة الصحة في غزة.

ومع تصاعد التوترات العسكرية وتضرر سلاسل الإمداد، أصبحت شحنات الأدوية، ومنها الأنسولين، تتأخر أو تُمنع من الدخول فترات طويلة، ما يجبر المرضى على تقنين استخدام الدواء، في مشهد يعكس مأساة إنسانية عميقة. ويضطر بعض المرضى إلى الاعتماد على أدوية بديلة أقل فعّالية أو حتى أعشاب تقليدية، رغم خطورتها.

تقول أم محمد زهد، وهي أم لطفل مصاب بالسكري من النمط الأول، لـ"العربي الجديد": "يحتاج ابني إلى الأنسولين يومياً. ومنذ أسبوع لم نجد الدواء في المستشفيات أو الصيدليات، وأنا أشعر بعجز من رؤيته يضعف أمامي. الأنسولين ليس دواءً يمكن الاستغناء عنه أو تأجيله لأنه مسألة حياة أو موت، وكل جرعة مفقودة تعني خطر ارتفاع السكر في الدم، والغيبوبة، وربما الوفاة، وهذا ما يبقيني في خوف دائم على طفلي".

ويؤدي نقص الأنسولين إلى مضاعفات خطيرة، مثل الفشل الكلوي، وأمراض القلب، وفقدان البصر. وهذه الأمراض تُثقل كاهل النظام الصحي المتدهور أصلاً، كما أن توقف المراكز الطبية عن تقديم المتابعة المنتظمة للمرضى يزيد خطر المضاعفات طويلة الأمد.

وتقول نعمة شبير من منطقة الصبرة جنوبي مدينة غزة، وهي مريضة سكري منذ أكثر من خمسة أعوام، لـ"العربي الجديد": "ليست معاناتي مع عدم توفر الأنسولين جديدة، إذ كانت الكميات محدودة للغاية قبل العدوان، لكن إغلاق المعابر ومنع دخول الأدوية منذ بدء الحرب فاقم الأزمة في شكل غير مسبوق". وعن تعاملها مع أزمة شح الدواء، تشرح أنها بدأت بتقنين الجرعات خوفاً من نفاد ما تبقى، لكنها تشعر بدوار وتعب طوال الوقت، وتتمنى أن تعيش حياة طبيعية فقط، وأن تتناول الدواء من دون خوف، وتقول: "لا نطلب رفاهية، بل الحق في الحياة فقط".

من جهته، لم يحصل محمد خلف (42 عاماً) من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وهو مصاب بالسكري من النمط الثاني، على الأنسولين منذ نحو شهرين، ويقول لـ"العربي الجديد: "كنت أظن في البداية أن الأزمة مؤقتة، لكن أصبح من الطبيعي الآن أن أذهب إلى ثلاث صيدليات من دون أن أجد شيئاً. تغيّرت حياتي. أشعر بتعب طوال الوقت، ويدور رأسي أحياناً من ارتفاع السكر. أحاول أن أتناول طعامي بحذر، وأقلل الكمية كي لا أحتاج إلى جرعة كبيرة ما يشعرني بخوف طوال الوقت، خصوصاً في ظل عدم متابعة حالتي طبياً". ويصف خلف الأمر بأنه "صعب جداً، إذ لا أستطيع ممارسة طقوس حياتي بشكل طبيعي. الحرب أصلاً حوّلت حياتنا إلى جحيم بسبب القصف والموت والتشريد وخسارة كل شيء، ونقص الدواء يخلق حرباً ثانية تهدد حياتنا بالموت البطيء".

الصورة
 توفير الأدوية مسألة حياة لمرضى السكري، 9 يناير 2023 (عبد الرحيم الخطيب/ الأناضول)
توفير الأدوية مسألة حياة لمرضى السكري، 9 يناير 2023 (عبد الرحيم الخطيب/ الأناضول)

وعن مدى خطورة نقص الأنسولين في القطاع حالياً، يتحدث رئيس قسم الغدد الصماء والسكر في مستشفى غزة الأوروبي أحمد أبو طه لـ"العربي الجديد" عن أن "الوضع خطير للغاية في ظل اعتماد المرضى على الأنسولين يومياً، وأي انقطاع في جرعاتهم قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة خلال أيام قليلة. منذ اليوم الأول للحرب بدأت أزمة أدوية السكري، خصوصاً أدوية الأنسولين الخاصة بالنمط الأول للسكري، علماً أن النقص يعود إلى ما قبل الحرب، وخلال العدوان تفاقمت حدته بشكل كبير، خصوصاً أنها ساهمت في عدم القدرة على حفظ الكميات المحدودة من الأنسولين. وحتى المرضى الذين يوفرون كميات قليلة بشق الأنفس واجهوا أزمة في حفظها بطريقة صحيحة بسبب عدم وجود ثلاجات، خاصة مع تواصل أزمة النزوح، واضطروا إلى استخدام كميات غير مخزنة بطريقة مناسبة، ما أثر على منسوب السكر في الدم".

ويؤكد أبو طه أن "كميات الأدوية في قطاع غزة شحيحة للغاية رغم اتفاق وقف إطلاق النار، ويتنقل المرضى بين أماكن عدة للحصول على علاج لكن دون جدوى، بينما يزيد النظام الغذائي غير الصحي من عمق الأزمة، إذ يحتاج مرضى السكري إلى نظام غذائي صحي يختلف عن باقي الناس".

ولا يوجد إحصاء رسمي بعدد مرضى السكري في غزة، بحسب ما يقول أبو طه الذي يضيف أن "دراسات عالمية تفيد بأن نسبة المصابين بالمرض تراوح بين 10 و15% من عدد السكان، سواء مشخصين بالمرض أو غير مشخصين، وهم يحتاجون إلى كشف مبكر أو فحص دوري، ما يعني أن عددهم في غزة يراوح بين 150 ألفاً و200 ألف". ويشير إلى أن "الفحوصات الخاصة بمتابعة حالة مرضى السكري ومدى التزامهم غير متوفرة، سواء في وزارة الصحة أو المختبرات الخاصة. وهذه الأسباب تؤثر على مرضى السكري والمضاعفات اليومية والبعيدة. أما في شأن المضاعفات الإضافية الناتجة عن نقص الأدوية والفحوصات فهي اعتلال شبكية العيون والكلى".

وتفاقم أسباب عدة الأزمة، أهمها منع دخول الشحنات الدوائية بشكل منتظم بسبب الحصار وإغلاق المعابر، كما تراجع التمويل الدولي بنسبة كبيرة خلال العامين الماضيين، ما أثّر على توفير الأدوية بالكميات المطلوبة، ما دفع الجهات المعنية إلى مطالبة المنظمات الدولية بتوريد الأنسولين، وتوفير دعم مستدام لا يعتمد على المساعدات الطارئة فقط.

المساهمون