- تعمل الآلة ببطارية 12 فولت وتنتج بين 70 و100 كيلوغرام من المواد المعاد تدويرها في الساعة، معتمدة على جمع وفرز وتنظيف نفايات النايلون ثم إعادة صهرها وتشكيلها.
- يطمح بعلوشة لتطوير مشروعه ليصبح أكثر كفاءة وأماناً، مما يساهم في توفير فرص عمل للشباب وتعزيز ثقافة الاقتصاد الدائري في غزة.
لم يكن صلاح بعلوشة (36 عاماً) يتخيل أن المهنة التي رافقته منذ طفولته وأفنى فيها أكثر من عشرين عاماً ستتوقف فجأة تحت وطأة الحرب، بعدما تحولت ورشته في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة إلى كومة من الركام، كما فقد منزله وكل ما ادخره على مدار سنوات طويلة من العمل في صناعة الأبواب والشبابيك المصنوعة من الألومنيوم.
كانت حياة بعلوشة قبل الحرب تدور بين الورشة والعمل اليومي. يبدأ صباحه مبكراً في تجهيز الطلبات وقياس الأبواب والنوافذ وقص ألواح الألومنيوم وتجميعها، وهي مهنة اكتسب خبرتها عبر سنوات طويلة حتى أصبحت مصدر الدخل الوحيد الذي يعيل به أسرته. لكن الحرب قلبت المشهد بالكامل، ليخسر أدواته وآلاته بجانب المكان الذي كان يمثل بالنسبة إليه مصدر الاستقرار والأمان.
يقول بعلوشة: "تدمير الورشة هو نهاية مشروع عمر استغرق أكثر من عقدين من الزمن، ومع تدمير منزلي أيضاً، أصبحت أسرتي تواجه واقعاً جديداً فرضته الحرب، حيث فقدت مصدر رزقي بالكامل في وقت أصبحت فيه فرص العمل شبه معدومة، بينما تتزايد الاحتياجات اليومية في ظل النزوح المتكرر وارتفاع الأسعار ونقص الموارد الأساسية".
ولم تتوقف الصعوبات عند حدود الدمار، فحتى بعد انخفاض وتيرة الحرب، بقيت العودة إلى العمل شبه مستحيلة، بسبب منع إسرائيل إدخال المواد الخام اللازمة لصناعة الألومنيوم، ونقص المعدات وغياب الكهرباء وعدم القدرة على إصلاح الورشة أو إعادة تجهيزها. وأمام هذه المعوقات، أدرك بعلوشة أن انتظار عودة الظروف الطبيعية قد يستغرق شهوراً وأن عليه البحث عن طريق آخر يمكن أن يفتح باباً جديداً للحياة، وأضاف: "فكرت كثيراً في كيفية الاستفادة من الأشياء المتوفرة حولنا بدلاً من انتظار ما لا نستطيع الحصول عليه، في كل مكان كانت أكوام النفايات البلاستيكية والنايلون تتزايد، بينما نعاني من نقص شديد في المواد الخام وارتفاع تكلفتها، عندها بدأت أبحث عن طريقة لتحويل هذه النفايات إلى منتجات يمكن الاستفادة منها".
ويلفت إلى أن الأمر لم يكن سهلاً، فالمواد اللازمة لتصنيع الآلات غير متوفرة، كما أن انقطاع الكهرباء المستمر يجعل تشغيل أي مشروع صناعي تحدياً يومياً. ومع ذلك، قرر بعلوشة الاعتماد على خبرته الطويلة في التصنيع والحدادة والأعمال المعدنية، وبدأ يجمع قطع الحديد والخردة والمكونات المستهلكة من أماكن مختلفة، ليصمم آلة قادرة على إعادة تدوير النايلون بإمكانات بسيطة للغاية. وبعد أشهر من التجارب والتعديلات، تمكن من تصنيع آلة تعمل ببطارية 12 فولت، وهو ما يتيح تشغيلها في ظل غياب الكهرباء. ولم يكتف بذلك، بل أضاف إليها نظام تشغيل يدوياً يسمح باستمرار العمل حتى في حال نفاد شحن البطارية لتصبح مناسبة تماماً للواقع الذي يعيشه قطاع غزة، حيث أصبح انقطاع الكهرباء جزءاً من الحياة اليومية.
ويشير بعلوشة إلى أن معظم مكونات الآلة صنعت من مواد وخردة مستهلكة بسبب استحالة الحصول على المعدات الحديثة، إلا أن ذلك لم يمنعها من تحقيق نتائج لافتة، ويقول: "الآلة تستطيع إنتاج ما بين 70 و100 كيلوغرام من المواد المعاد تدويرها في الساعة، وهي قدرة إنتاجية مشجعة بالنظر إلى الإمكانات المحدودة التي أنجزت بها المشروع".
يعتمد المشروع على جمع نفايات النايلون وفرزها وتنظيفها ثم إعادة صهرها وفق درجات حرارة مدروسة قبل تشكيلها داخل قوالب مخصصة
ويعتمد المشروع على جمع نفايات النايلون وفرزها وتنظيفها ثم إعادة صهرها وفق درجات حرارة مدروسة قبل تشكيلها داخل قوالب مخصصة لإنتاج مواد يمكن استخدامها في مجالات متعددة. كما تعتمد التقنية التي طورها على إمكانية خلط الرمل بنسب محددة مع البلاستيك المعاد تدويره في بعض المنتجات، بهدف زيادة الصلابة وتحسين الخصائص الميكانيكية دون التأثير على جودة المنتج النهائي.
وبحسب بعلوشة، فإن من أبرز ما يميز المشروع أنه لا يحتاج إلى استهلاك المياه خلال عملية التصنيع، وهو ما يمنحه أهمية إضافية في قطاع يعاني من أزمة مياه حادة ويجعل المشروع أكثر ملاءمة للظروف البيئية والاقتصادية الراهنة. ويرى أن النفايات التي تعد اليوم عبئاً بيئياً يمكن أن تتحول إلى مورد إنتاجي مهم إذا توفرت الإمكانات اللازمة لتطوير المشروع، إذ إن "المنتجات الناتجة يمكن استخدامها في تصنيع البلاط والألواح البلاستيكية والزوايا المستخدمة في أعمال البناء، إضافة إلى العديد من المنتجات الأخرى التي قد تحتاجها عمليات إعادة الإعمار مستقبلاً".
ويضيف: "الاعتماد على إعادة التدوير لا يقتصر على الجانب البيئي وإنما يساهم أيضاً في تقليل الاعتماد على المواد الخام المستوردة التي يصعب إدخالها إلى القطاع، ويوفر بديلاً محلياً منخفض التكلفة يمكن تطويره ليخدم قطاعات صناعية مختلفة". ورغم نجاح التجربة الأولية، يؤكد بعلوشة أن المشروع لا يزال في بدايته وأن الآلة بحاجة إلى تطوير شامل حتى تصبح أكثر كفاءة وأماناً، معرباً عن أمله في توفير نظام حديث لتهوية وفلترة الدخان الناتج عن عملية التصنيع، إلى جانب مكبس أكثر قوة وقوالب إنتاج احترافية تسمح بتوسيع دائرة المنتجات وتحسين جودتها فضلاً عن رفع القدرة الإنتاجية.
وأوضح أن التطوير لن يخدم مشروعه الشخصي فقط، وإنما يمكن أن يفتح المجال أمام إنشاء ورش صغيرة تعتمد على إعادة تدوير النفايات بما يسهم في توفير فرص عمل للشباب الذين فقدوا مصادر دخلهم بسبب الحرب ويعزز ثقافة الاقتصاد الدائري والاستفادة من الموارد المتاحة بدلاً من التخلص منها.
وفي ظل التحديات البيئية التي تواجه غزة، يرى بعلوشة أن تراكم النفايات البلاستيكية يمثل مشكلة متفاقمة، خصوصاً مع محدودية إمكانات البلديات وتراجع خدمات جمع النفايات. لذلك يجد في إعادة تدوير هذه المخلفات حلاً اقتصادياً يساهم في الحد من التلوث وحماية البيئة وتقليل كميات النفايات المتراكمة في الشوارع والمكبات. وينظر بعلوشة إلى آلته المصنوعة من قطع الحديد والخردة على أنها رمزاً لمحاولة النهوض من تحت الركام وإثبات أن الإنسان قادر على صناعة الفرص حتى في أكثر البيئات قسوة. وأنهى حديثه قائلاً: "حلمي لا يقتصر على تطوير آلة أفضل وإنما إنشاء مشروع متكامل لإعادة تدوير البلاستيك في شمال غزة، يكون قادراً على إنتاج مواد تدخل في الصناعات المحلية وتدعم جهود إعادة الإعمار وتوفر فرص عمل وتحول النفايات من عبء يثقل البيئة إلى مورد اقتصادي يخدم المجتمع".