استمع إلى الملخص
- الأمطار الغزيرة أغرقت مئات الخيام، مما زاد من معاناة النازحين، والبنية التحتية المدمرة تزيد من خطر الأمراض بسبب اختلاط مياه الأمطار مع مياه الصرف الصحي.
- القلق على صحة الأطفال مستمر بسبب نقص الأدوية والملابس الشتوية، والخيام لا توفر الحماية الكافية، مما يهدد بانتشار الأمراض ويزيد من عدم الاستقرار.
لم يغِب صوت الريح في قطاع غزة، ليلة البارحة، وساعات نهار اليوم الثلاثاء، عن خيمة النازح الفلسطيني مالك قويدر، كأنها تنفخ في زواياها المهترئة لاختبار ما تبقى من صمودها. وقف قويدر عند مدخل الخيمة، يحدّق في المشمع الذي لم يعد يقي من البرد ولا المطر، فيما كان طفلاه يتقافزان خوفاً من دفقات الماء المتسربة من السقف.
لم تمضِ إلا دقائق حتى تحول التراب تحت أقدامهم إلى طين يبتلع الخطوات، وبدأت السيول تجري حول الخيمة التي لم تتحمل قوة المطر، فانحنى سقفها وبدأت جوانبها تستسلم واحدة تلو الأخرى، ما اضطر الأب المرهق لحمل شوادر مبتلة في محاولة يائسة لإيقاف سيل المياه.
معركة مع الأمطار في غزة
في الخارج، كان المنخفض الجوي يكشف هشاشة كل شيء، خيام بلا أرضية، وجدران من قماش، وأطفال ترتعد برداً، بينما تحاول الأمهات تدفئتهم، كان المشهد أبعد ما يكون عن مكان يصلح للعيش، لكنه المكان الوحيد المتاح.
يقول مالك قويدر (39 عاماً)، إن جراح المواطنين في قطاع غزة جراء الحرب لم تلتئم بُعد، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام مجموعة معارك معيشية أخرى، كان آخرها معركتهم مع المطر والتغيرات المناخية القاسية، إذ يواجهون البرد والأمطار المتواصلة داخل خيام قماشية وبلاستيكية مهترئة، ورياح تهز ما تبقى من حياتهم. ويبين قويدر لـ"العربي الجديد"، أن الخيام المهترئة لم تُصنع لتواجه فصل الشتاء، فالمياه تتسرب من كل جانب، ويغرق الكثير منها خلال دقائق، تاركة النازحين يبحثون عن قطعة أرض أقل وحلاً أو مكان جاف للنوم، في ظل واقع تنعدم فيه أدنى مقومات الحياة.
ويتحول تراب المخيمات العشوائية مع أولى زخات المطر إلى طين كثيف، ثم إلى مستنقعات صغيرة تكشف مدى قساوة الواقع المعيشي داخل تلك الأماكن التي تفتقر لأبسط مقومات الحماية والأمان، لتترك النازحين في حالة دائمة من الخوف والقلق وعدم الاستقرار.
فتح النازح سائد عودة (43 عاماً) وهو رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، عينيه على ارتجاف خيمته، وشعر بقطرات باردة تتسلل من السقف المهترئ لتسقط على وجه طفله الصغير الملتف ببطانية لا تكاد تقيه شيئاً، حاول بيديه سد التمزقات التي ازدادت بفعل الرياح، لكن قطعة النايلون التي غطاها عشرات المرات لم تعد تقاوم.
يقول عودة لـ"العربي الجديد"، إن معاناة النازحين تتجدد مع كل موجة مطر، إذ يحاولون إصلاح خيامهم بمواد ممزقة، وتجفيف الفرشات المبللة على الجوانب التي لا تقوى على مقاومة رطوبة الهواء، ويزداد الوضع سوءاً حين تضرب الرياح الشديدة أسقف الخيام، فترفع بعضها من مكانها. ويتابع حديثه بألم: "في ظل غياب أدنى مقومات التدخل الإنساني، يصبح كل شيء معتمداً على قدرة الناس على الصمود وحدهم، لا تدفئة، لا ملابس شتوية كافية، لا غذاء مناسباً لأيام البرد، ولا مكان آمناً يحتمي فيه الأطفال من العاصفة".
في السياق، قال جهاز الدفاع المدني في غزة، الثلاثاء، إن مياه الأمطار الغزيرة أغرقت مئات الخيام ومراكز الإيواء في مختلف محافظات القطاع، محذراً من تساقط أبنية استهدفتها إسرائيل خلال عامي الإبادة الجماعية. وأكد متحدث الدفاع المدني محمود بصل، في تصريح لوكالة الأناضول، تعقيباً على المنخفض الجوي المصحوب بأمطار غزيرة ورياح شديدة، أن ما فاقم أوضاع النازحين الذين هجّرتهم إسرائيل خلال عامي الإبادة الجماعية، هو أن مياه الأمطار تسببت في إغراق مئات الخيام ومراكز الإيواء في مختلف محافظات القطاع.
وأشار إلى مئات البلاغات عن مخلفات إسرائيلية خطيرة جرفتها مياه السيول إلى مناطق مأهولة، ما يشكل خطراً على حياة الأهالي. وأكد أن قدرات الدفاع المدني "معدومة، ولا نمتلك مضخات لسحب المياه، وآلاف المباني الآيلة إلى السقوط تهدد حياة الفلسطينيين"، جراء غزارة الأمطار.
معاناة تتضاعف مع كل قطرة مطر
تزيد الشوارع المدمرة التي تركها القصف حفراً وبحيرات من المياه من قساوة المشهد، إذ تحد من قدرة الناس على الحركة، بينما يتفاقم طفح المياه العادمة نتيجة تدمير البنية التحتية، ويختلط بالأمطار ليشكل خطراً صحياً يهدد الكبار والصغار معاً، فيما تنغمس المدينة في ظلام دامس وبارد نتيجة الانقطاع التام للكهرباء.
يقف النازح حمدي عمر (35 عاماً) عند مدخل خيمته التي غمرتها المياه، محاولاً فتح قنوات جانبية للمياه وتصريفها، ويقول: "المطر لم يتوقف، والسقف صار مثل الغربال، حاولت تغيير مكان أولادي من زاوية لزاوية، لكن المياه كانت تسلك كل الاتجاهات". ويوضح عمر لـ"العربي الجديد" مدى صعوبة التعامل مع المنخفضات والمطر في المخيمات العشوائية، وغير المصممة أصلاً لمواجهة التغيرات المناخية والأمطار.
ويبقى الهاجس الأكبر الذي لا يغيب عن ذهن عمر مرض أحد أطفاله الأربعة، لا سيما في ظل النقص الشديد في الأدوية. يقول: "كل شيء حولنا يوحي بأن أطفالي سيمرضون، فالملابس الخفيفة والخيمة الضعيفة لا تمنحهم الدفء، فيما تختلط مياه الأمطار مع مياه الصرف الصحي التي تُغرق كل شيء حولنا".
ولا تزال آثار الحرب حيّة كالجمر تحت الرماد، تجعل المنخفض الجوي هذا العام أشد وطأة على النازحين داخل الخيام المهترئة، فيما لا تجد مياه المطر بنية صرف صحي، فتتجمع فوق الإسفلت المحطّم، ومنه تتدفق نحو الخيام كأنها تلاحق الناجين من حرب لم تنته بعد.