سياسة الهجرة واللجوء.. حلقة أوروبية مفقودة رغم التمويل والدعم

10 أكتوبر 2020
الصورة
أوضاع قاسية يعيشها المهاجرون في الجزر اليونانية (لويزا كولياماكي/ فرانس برس)
+ الخط -

حتم الموقع الجغرافي للبلدان الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي أن تتحمل عبء ملايين من المهاجرين عبر البحر المتوسط إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، بعدما استفحلت الأزمات السياسية خلال السنوات الأخيرة وتدهور الوضعان الأمني والاقتصادي في منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا. كلّ هذا أرهق القارة العجوز بأسرها، فبات هناك سؤال يطرح نفسه حول مسؤولية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لضمان حد أدنى من معايير الحماية في جميع مخيمات اللاجئين على الأراضي الأوروبية، وما هي العراقيل التي تواجه عمليات درس طلبات اللجوء وعمليات الترحيل بالرغم من توفر التمويل اللازم والدعم اللوجستي؟
اليونان وإيطاليا من الدول التي تعاني أساساً من وضع اقتصادي صعب، وقد وجدت الدولتان نفسيهما أمام معضلة مواجهة الأزمة بحكم عدم إحراز أيّ تقدم في سياسة اللجوء الأوروبية المشتركة، واستمرار تطبيق اتفاقية دبلن، التي تنص على أنّ طالبي اللجوء يخضعون لإجراءات اللجوء في الدولة التي يصلون إليها كمحطة أولى، ما حمّل هذه الدول الثقل الأكبر خصوصاً جزرها، إذ يصل إليها العدد الأكبر من المهاجرين، ويعيش فيها الآلاف منهم منذ سنوات، بالرغم من أنّ الدولتين تتلقيان دعماً إضافياً، وأموالاً باهظة من الاتحاد الأوروبي.  

الهدف توجيه إشارات إلى المهاجرين: من فضلكم لا تأتوا إلى أوروبا

 

نقص الخبراء وغياب الترحيل  
في هذا الإطار، قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، أدالبرت يانز، إنّ الحكومة الإيطالية حصلت على  1.03 مليار يورو (1.21 مليار دولار أميركي)، منذ العام 2015 ، بينما تلقت اليونان اجمالي 2.77 مليار يورو (3.27 مليارات دولار)، خلال هذه الفترة. كذلك، أكد أنّ المفوضية بذلت قصارى جهدها لدعم السلطات اليونانية في إدارة هذا الوضع من خلال المساعدات المالية والعمل اللوجستي لتسريع الإجراءات في مراكز الاستقبال. وترسل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الموظفين إلى اليونان بالتنسيق مع مكتب اللجوء الأوروبي، فيساعدون في تسجيل طالبي اللجوء ومعالجة طلباتهم، ويعاونهم في ذلك مكتب الهجرة واللجوء الاتحادي في ألمانيا، وعدا عن ذلك يعمل نحو 600 ضابط من الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس" على الحدود البرية ومع خفر السواحل في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الحدود البرية مع تركيا وفي بحرإيجه وعلى الجزر اليونانية.

 
كذلك، أشارت التقارير إلى أنّه بناء على طلب أثينا، جرى أيضاً تفعيل آلية الحماية المدنية التابعة للتكتل الأوروبي في ربيع العام الجاري، ويمكن للدول الشريكة إرسال الخيم والفرق الطبية والمعدات إلى اليونان. وفي الإطار نفسه، قالت عضو البرلمان الأوروبي عن حزب الاتحاد المسيحي، لينا دوبنت، إنّ هذه العملية يجري التحكم بها بشكل أساسي من قبل المفوضية الأوروبية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمساعدات الطارئة والأزمات. وقد وُضعت خطة مالية سنوية منذ 2017، لكي تتلقى اليونان الأموال اللازمة بالفعل، بالإضافة إلى تحديد الحكومة اليونانية المشاريع التي تعتبرها مهمة، واجتماع اللجان بانتظام مع جميع المعنيين في أثينا، على أن يجري التحقق من كيفية استخدام الأموال في الوقت المناسب وبطريقة فعالة، وهو ما أكدت عليه المفوضية.

لاجئون (Getty)

 

في المقابل، انتقد ديوان المحاسبة الأوروبي (اي سي ايه)، ومهمته مراقبة الاستخدام الصحيح لأموال المفوضية والمساعدة في إدارة ميزانيتها، فترة المعالجات طويلة الأمد لإجراءات اللجوء في اليونان وإيطاليا، فقد تبين أنّ دول الاتحاد ترسل عدداً قليلاً من خبراء اللجوء إلى هاتين الدولتين للمساعدة، كما أنّ آلية إعادة طالبي اللجوء غير المعترف بهم إلى أوطانهم لا تعمل وفق الخطط الموضوعة. وأشار الديوان إلى أنّه على سبيل المثال وتنفيذاً للميثاق الأوروبي مع تركيا، يجب إعادة طالبي اللجوء الذين لم يتم الاعتراف بهم على وجه السرعة من اليونان إلى تركيا، مقابل إمكانية وصول لاجئين آخرين يحظون بحق اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه لم تجرِ إعادة سوى 2700 شخص إلى تركيا، فيما وصل عشرة أضعاف عددهم منها إلى أوروبا، أي نحو 27 ألف شخص.

المال وحده لا يكفي
تبدو اليونان في حالة من الارتباك بسبب عدم قدرتها على التحكم بالوضع على الأرض ولإخفاقها في إدارة الأزمة، وما زال هناك عشرات الآلاف من الوافدين الجدد من المهاجرين في المخيمات على جزرها الخمس، يعانون من ظروف إقامة  صعبة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، كما يتعين عليهم الانتظار أشهراً لاتخاذ قرارات بشأن طلبات لجوئهم، ناهيك عن عدد كبير من طلبات اللجوء المعلقة. في هذا السياق، أشارت دوبنت إلى أنّ "حكومة رئيس الوزراء اليوناني الحالي كيرياكوس ميتسوتاكيس، فعّلت العمل على القضية بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، لكن على المرء أن يتخيل ما تراكم على مر السنين، وهذا لا يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة، ولذلك يجب التركيز على ذلك بشكل خاص من قبل الاتحاد الأوروبي".  

لاجئون (Getty)

 

من جهته، قال عضو حزب الخضر في البرلمان الأوروبي، إريك ماركواردت، إنّه لم تكن هناك رغبة في تنظيم تلك العمليات بشكل أفضل، لأنّ الهدف كان توجيه إشارات إلى المهاجرين: من فضلكم لا تأتوا إلى أوروبا". وشدّد على أنّ الهدف لا يمكن أن يكون إنفاق مزيد من الأموال، وأضاف: "إذا كنت تريد استعادة السيطرة، فلست بحاجة إلى المال وحده، بل إلى الدول الأعضاء التي تتحمل المسؤولية، باعادة توطين اللاجئين، وبعد ذلك يجري توزيع الناس بسرعة على الدول الأعضاء وضمن أطر دستورية معينة لمعرفة من يحتاج في الواقع إلى الحماية ومن لا يحتاجها من المهاجرين". وأشار إلى أنّه لا يبدو أنّ ذلك سيتغير مع ميثاق الهجرة الجديد الذي تقدمت به أخيراً المفوضية الأوروبية "لأنّ الدول الأعضاء ما زالت في حال من الانقسامات الرئيسية حول قضايا أساسية لسياسة اللجوء على الرغم من مليارات اليوروات من المساعدات التي جرت الموافقة عليها بشكل مشترك لكلّ من أثينا وروما.

لم تجرِ إعادة سوى 2700 شخص إلى تركيا، فيما وصل منها 27 ألفاً

 

رفض لميثاق الهجرة الجديد
في خضم ذلك، رفضت ثلاث دول من دول حلف "فيشغراد" الأربع، وهي المجر وجمهورية التشيك وبولندا، ميثاق الهجرة الجديد الذي طرحته أخيراً المفوضية الأوروبية بهدف إصلاح سياسة الهجرة واللجوء بحجة أنّه "ليس صارماً بما يكفي"، ولم توافق عليه من الحلف إلّا سلوفاكيا. وأصرّ رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، المعادي أساساً للاجئين، في تصريحات له من بروكسل، على ضرورة "فرز اللاجئين في مخيمات خارج أوروبا". وتحدث عن غياب خرق جدي في الميثاق الجديد، ليعلن أنّ الاختراق الفعلي يعني نقاط تجميع خارجية، وعندها لا يمكن لأيّ لاجئ الوصول إلى أوروبا من دون إذن. أما التشيك فرفضت بدورها ما سمي "شركات العودة إلى الوطن"، والتي تقوم على أنّ من واجب الدول التي لا ترغب في استقبال المهاجرين ترحيل من رفضت طلبات لجوئهم في دول أعضاء أخرى، إذا كانوا على أراضيها، ووصفتها بـ"الكلام الفارغ". وذكرت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه" الألمانية في هذا السياق، أنّ ألمانيا نفسها التي تتمتع باقتصاد قوي بالكاد تمكنت من ترحيل بضعة آلاف من المهاجرين الذين لا يحق لهم أن يمنحوا الحماية وحق اللجوء، ناهيك عن رفض دولهم التعاون من أجل إعادتهم.

ووصل قبل أيام 139 لاجئاً إلى مدينة هانوفر الألمانية من مخيم موريا المحترق في اليونان، بينهم 51 قاصراً من غير المصحوبين بذويهم، و17 طفلاً مريضاً جاء برفقة أسرته، وجرى توزيعهم على ثماني ولايات، من بينها بافاريا وبرلين وهامبورغ وسكسونيا السفلى، وأخذت بعين الاعتبار عند توزيعهم الروابط العائلية والاحتياجات الطبية للمرضى. وأشارت وزارة الداخلية الألمانية إلى أنّ وصول هؤلاء الوافدين الجدد جزء من مبادرتين جرى تقريرهما بشكل مستقل، الأولى تم التوافق بشأنها خلال مارس/ آذار الماضي، إذ تقرر استقبال 243 طفلاً مريضاً مع أسرهم من اليونان كجزء من جهود الإغاثة الأوروبية. ومن ناحية أخرى، وبعد حريق موريا الواقع على جزيرة ليسبوس اليونانية، أعلنت الحكومة الاتحادية أنّها ستشارك في قبول 400 قاصر غير مصحوبين بذويهم، سيصل منهم 150 إلى ألمانيا في الأسابيع القليلة المقبلة، على أن يصار أيضاً إلى استقبال 1553 فرداً من الأسر الموجودة على الجزر اليونانية والذين، وفق الحكومة اليونانية، يستحقون حق الحماية وقبولهم سيبدأ قريباً. وأفادت وزارة الداخلية الاتحادية في ألمانيا أخيراً بأنّها أحضرت هذا العام عبر رحلات جوية من اليونان إلى ألمانيا ما مجموعه 713 لاجئاً، من بينهم 104 من القاصرين غير المصحوبين بذويهم، و142 مريضاً.

المساهمون