- سياسات ترامب أدت إلى تراجع في اللوائح البيئية، حيث أوقف تمويل برامج المناخ ورفع الإعانات لصناعة الوقود الأحفوري، مما زاد البصمة الكربونية وأضر بحقوق الإنسان.
- رغم التحذيرات العالمية، تجاهلت إدارة ترامب التعاون الدولي للتخلص من الوقود الأحفوري، مما أثار غضب العلماء والمدافعين عن المناخ.
يفاجئنا دونالد ترامب كل فترة بالانسحاب من منظمة أو معاهدة دولية، ما يؤدي إلى تداعيات لا تقتصر على الولايات المتحدة، وإنّما تطاول العالم كله.
لا تنتهي قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه قضية تغيّر المناخ والاحتباس الحراري، ولعلّ أحدث قراراته إعلانه في 12 فبراير/ شباط 2026 إلغاء نصّ يمثّل الأساس القانوني للتشريعات الهادفة إلى مكافحة انبعاث غازات الدفيئة والحدّ من التلوّث المسبّب للاحتباس الحراري في الولايات المتحدة، ما ينهي المعايير المفروضة على انبعاثات الشاحنات والسيارات ويمهّد لإلغاء قواعد بيئية أخرى، ولا سيّما تلك المتعلقة بانبعاثات محطات توليد الكهرباء.
ووصف ترامب تغيّر المناخ بأنه "خدعة" خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2025، كما وصف سياسات الطاقة المستدامة بأنها "أكبر خدعة في التاريخ"، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في العام الحالي 2026.
وفي 29 يناير/ كانون الثاني الماضي، أوضحت منظمة العفو الدولية في تقرير أن الولايات المتحدة ألغت تقرير التقييم الوطني السادس للمناخ، الذي يُعدّ من التقارير المحورية حول تغير المناخ، وحذفت العديد من الصفحات الإلكترونية التي تتناول الحقائق العلمية حول المناخ من المواقع الرسمية. ويترتب على هذا توفُّر قدر أقل من المعلومات الموثوقة للعامة، ما يُصعِّب على العلماء التحقق من صحة المعلومات المضللة حول تغير المناخ.
ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن التقرير الجديد لوزارة الطاقة الأميركية يفيد بأن توقعات الاحترار العالمي المستقبلية مُبالغ فيها. ويأتي ذلك ضمن الجهود المبذولة في إطار حملة إدارة ترامب التضليلية لإنتاج سردية مضادة زائفة لدحض الحقائق العلمية العالمية وإجماع الآراء العالمي حول المناخ، واستخدام حقائق علمية زائفة لتبرير إلغاء اللوائح التنظيمية المتعلقة بالمناخ.
ونبّهت إلى أن متوسط درجة الحرارة العالمي عام 2024 تجاوز لأول مرة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ما جعل الحاجة إلى جهود عالمية سريعة ومُنسَّقة من أجل المناخ أشد إلحاحاً. ومع ذلك، بدلاً من دعم التخلص التدريجي السريع والعادل من الوقود الأحفوري، يهاجم الرئيس ترامب "على نحو متهوّر" الجهود المبذولة عالمياً لمكافحة تغير المناخ، ما يضرّ النشاط النضالي من أجل قضايا المناخ، بحسب المنظمة الدولية.
وذكرت المنظمة أن إدارة ترامب فككت جهود العمل المناخي المبذولة محلياً، واتخذت إجراءات أفضت إلى تراجع غير مسبوق في ما يتعلّق باللوائح التنظيمية التي تحمي الأشخاص في الولايات المتحدة من التلوث الناجم عن الوقود الأحفوري وتغير المناخ، إذ قوَّض ترامب الوكالات الحكومية التي تقدم المساعدات الطارئة للمتضررين من الظواهر الجوية المتطرفة، وأوقف تمويل برامج التنوع والمناخ لدى الوكالات الحكومية والجامعات الأميركية، ما أدى إلى التسريح الجماعي لموظفين ووقف منح مُقدَّمة ومهاجمة تلك البرامج؛ ورفع الإعانات المُموَّلة من دافعي الضرائب لصناعة الوقود الأحفوري. وهدّد ولايات أميركية لديها خطط لتقليل الانبعاثات الكربونية، كي تُنهي سياساتها، وتسبب في تكثيف إنتاج النفط والغاز، وتسريع وتيرة أعمال التنقيب في أعماق البحار.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، كثفت الولايات المتحدة أنشطتها العسكرية، خصوصاً في منطقتَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط؛ وهذه الأنشطة لها بصمة كربونية عالية، فضلاً عن الأضرار الفادحة التي ألحقتها بحقوق الإنسان.
وشددت منظمة العفو الدولية على أن التعاون العالمي ضروري للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري على نحو متساوٍ، وحماية المجتمعات المُعرَّضة للخطر وتمويل التعافي من الخسائر والأضرار، محذّرةً من أن اتباع نهج متفكك سيؤدي إلى تفاقم أضرار مناخية، مثل ارتفاع منسوب مياه البحار وشح الغذاء واندلاع حرائق الغابات والعواصف الشديدة والفيضانات، وعدم توفر سبل الحصول على مياه صالحة للشرب.
وكانت تقديرات عديدة، سبقت الإعلان الأخير لترامب، توقّعت أن يُطعَن أمام القضاء في هذا القرار الذي أثار غضب العلماء والمدافعين عن المناخ. وقد ادّعى ترامب أنّ من شأن قراره الأخير أن يوفّر 1.3 تريليون دولار لدافعي الضرائب.
وأقرت وكالة حماية البيئة الأميركية في عام 2009، في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، التقييم المسمّى "استنتاج الخطر"، الذي جرى الاستناد إليه لسنّ القوانين لاحقاً. وهو ينصّ على تصنيف ستّة غازات دفيئة خطراً على الصحة العامة، الأمر الذي يجعلها بالتالي من ضمن الملوّثات التي ينبغي حظرها. وقد مهّد ذلك لتشريعات عديدة ترمي إلى الحدّ من انبعاثات الغازات المسبّبة لارتفاع حرارة الغلاف الجوي للأرض، من قبيل ثاني أكسيد الكربون والميثان، بدءاً من انبعاثات الشاحنات والسيارات.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كشف الإصدار السابع من تقرير "توقعات البيئة العالمية" (GEO-7) الذي أعدّه 287 عالِماً من 82 بلداً أنّ البشرية ليست على المسار الصحيح في جهودها لمواجهة تغيّر المناخ وفقدان الطبيعة والتنوّع البيولوجي والتلوّث. ووضع التقرير مخططاً للتحول في خمسة نُظُم رئيسية، من التمويل للطاقة، والتي يمكن أن تحقّق أكثر من 20 تريليون دولار سنوياً من الناتج المحلي الإجمالي الإضافي، وتُجنّب ملايين الوفيات المبكرة الناجمة عن التلوث، وتُخرج مئات الملايين من الأشخاص من الفقر والجوع.
في الوقت ذاته، كشف تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة أنّه حتى لو التزمت الدول بتعهداتها المناخية، فإن درجات الحرارة العالمية سترتفع بمقدار 2.3 إلى 2.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، ما سيؤدي إلى تفاقم الآثار مع كل جزء من الدرجة. ويدعو التقرير إلى زيادة جذرية في وتيرة خفض الانبعاثات لتقليل هذا التجاوز إلى الحدّ الأدنى، والعودة إلى مسار 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100. كما جرت الإشارة إلى نتائج التقرير في أحد القرارات الرئيسة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ "كوب 30"، الذي يدعو إلى توفير 1.3 تريليون دولار سنوياً على شكل تمويل متصل بالمناخ للدول النامية.
وبحسب تقرير "ميزانية الكربون العالمية" لعام 2024 بشأن الدول العشر الأكثر إنتاجاً للانبعاثات التراكمية من الوقود الأحفوري والصناعة منذ عام 1750، تبيّن أن الولايات المتحدة ساهمت في أكبر قدر من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بما يقارب ربع الانبعاثات التراكمية (24%)، تليها الصين (15%)، وروسيا (6,7%)، وألمانيا (5,2%)، والمملكة المتحدة (4,4%)، واليابان (3,8%)، والهند (3,5%)، وفرنسا (2,2%)، وكندا (1,9%) وأوكرانيا (1,7%).