سوريون يشكون من تردّي التعليم المدرسي

06 مارس 2021
الصورة
تلميذة في مدرسة سورية (عارف وتد/ فرانس برس)
+ الخط -

يبدو أنّ نتائج الحرب والفساد تطاول واقع العملية التعليمية في مناطق سيطرة النظام في سورية، شأنها شأن بقية القطاعات الحكومية، ما يجعل التلميذ المتضرر الأول، خصوصاً في مراحل التعليم ما قبل الجامعي. هذا الأمر يُحمّل الأهالي أعباء نفسية جراء ارتفاع مخاطر ضياع المستقبل الدراسي لأولادهم، ويُحمّلهم تكاليف مادية إضافية في ظلّ تكلفة ردم هوة الفقدان التعليمي، من خلال الدروس الخصوصية وغيرها. 
يعلم السوريون بمسألة حذف وحدات دراسية من الكتب الجامعية، واعتماد ملخصات المحاضرات، منذ عقود، وبالرغم من أنّها دائماً كانت مثار جدل ونقد لارتباطها بالفساد المستشري في الجامعات، إضافة إلى آثارها التعليمية السلبية. وقد بدأت هذه الظاهرة اليوم في الانتشار بمراحل التعليم ما قبل الجامعي، بحسب أبو مؤنس ديب. يقول لـ"العربي الجديد": "منذ العام الدراسي الماضي، ومع انتشار فيروس كورونا، أصبح وضع التعليم في المدارس سيئاً جداً. فمن كان يتوقع أن يُقال لتلميذ في المرحلة الابتدائية إنّ هناك وحدات دراسية محذوفة من المنهاج الدراسي، وغير مطلوبة في الامتحانات النصفية التي جرت في وقتٍ سابق من الشهر الجاري". 
يضيف: "ابني الصغير في الصف الرابع الابتدائي. غالبية المواد الدراسية تم حذف وحدات دراسية منها، من دون أن يتم تدريسها للتلامذة". ويلفت إلى أنّ "حذف الوحدات الدراسية تسبّب لنا أزمة. ففي العام الماضي، جزء كبير من المنهاج لم يدرسه التلامذة، على أمل أن يتم تعويضه مع بداية السنة الدراسية الجارية. لكن ما حدث، أنّه لم يتم تعويض ما فقدوه ولم يتعلموه، وانتقل ابني إلى صفٍ جديدٍ، لتبدأ معاناتنا في تعويض ما فاته من الدروس، خصوصاً أن تلك المعلومات أساسية لاكتساب معلومات جديدة. أصبحنا نلجأ إلى الدروس الخصوصية، ومراكز المتابعة، وأوراق العمل والملخصات. المشكلة الأكبر، أننا بالكاد تمكنّا من تعويض دروس العام الفائت، حتى أصبحت لدينا دروس من الفصل الأول يجب تعويضها. لقد أصبح الأمر مرهقاً للتلامذة ولنا بشكلٍ كبير، ما تسبب بتراجع مستوى ابني الدراسي". 

طلاب وشباب
التحديثات الحية

من جانبها، تقول أم محمد عبد لـ"العربي الجديد": "الوضع في المدارس كارثي، ابني في الصف الخامس الابتدائي. مضى نصف الفصل الدراسي الأول من دون أن يأخذ أي درس رياضيات، بسبب إما عدم تأمين معلّمة بداية العام الدراسي، وإما بسبب الغياب المتكرر. في النهاية كان الحلّ تحديد امتحان فقط بما أخذوه في المدرسة". وتضيف: "بداية العام، لجأت إلى معلّمة من مدرسته لتعطيه دروس خصوصية وتعوض له ما فاته، بالرغم من أنه حصل على علامات عالية في المذاكرات المرحلية، إلا أنني لاحظت أنّ مستواه العام ليس جيداً. ثم اكشفت أنّ المعلمة قد درّبته على أسئلة المذاكرات فقط ليحصل على علامة جيدة، وبالتالي تستمر هي بتدريسه. لكن في الحقيقة، كان يتراجع من حيث اكتساب المعلومات، إلى أن وضعته في معهد تعليمي خاص، ما ساعد قليلاً في تعويض ما فقده". 
ويزداد انتشار مراكز المتابعة التعليمية غير المرخصة لمختلف الصفوف المدرسية، مع تراجع واقع العملية التعليمية. فأصبح معظم التلامذة بحاجة إلى تلقي ساعات تعليمية إضافية، خصوصاً أن الأهالي، وحتى المتعلمين من بينهم، يجدون صعوبة في تدريس المناهج التعليمية التي تم إقرارها في السنوات الأخيرة، لأسباب تتعلق بطبيعة المناهج وأساليب المدرّسين في شرحها. 

طفلة سورية في المدرسة (محمد سعيد/ الأناضول)
(محمد سعيد/ الأناضول)

تشرح مديرة أحد مراكز المتابعة الدراسية لمياء قطان، في حديث مع "العربي الجديد": "جاءت فكرة افتتاح مركز للمتابعة قبل نحو 3 سنوات، جراء تزايد الطلب على الدروس الخصوصية، التي كانت حكراً لسنوات طويلة على تلامذة الشهادتين الإعدادية والثانوية. لكن اليوم قد يأتي تلامذة في الصف الأول الابتدائي لحاجتهم إلى درس خصوصي". تتابع: "في المركز، نستقبل فقط تلامذة المرحلة الأساسية من الصف الأول إلى الصف الثامن. نكتشف كوارث تعليمية. فهناك تلامذة يأتون إلينا في الصف السادس أو حتى الثامن، لا يجيدون القراءة والكتابة، مع ضعف كبير في اللغات الأجنبية، خصوصاً أنّ الإنكليزية تُدَرَّس في سورية من الصف الأول، والفرنسية من الصف السابع. أما المواد العلمية فحدّث ولا حرج". 
وتلفت إلى أنّ "المناهج التعليمية هي سلسلة مترابطة، وفقدان جزء منها يُسبّب وجود ثغرة معرفية لدى التلميذ، تكبر كلّما تقدم في سنواته الدراسية. وبالتالي يتدنى مستواه الدراسي، ما يهدد بتسربه من المدارس". وترى أنّ "المشكلة التعليمية معقدة. المناهج كثيفة، ولا تتناسب مع الوقت المخصص لها، في ظلّ الازدحام الكبير في الشعب الصفية. فالشعبة النموذجية يجب ألا يتعدى عدد التلامذة داخلها الـ20، لكن تجد على أرض الواقع أكثر من 40 تلميذاً فيها، ما يعيق المعلّم عن إعطاء التلامذة حقهم في الجلسة التعليمية".

وتشير إلى أنّ "الأمر الكارثي هو وجود نسبة كبيرة من الكادر التدريسي غير المؤهل للدخول إلى الشعبة الصفية، إضافة إلى الشعور العام بعدم الرضا عن مدخولهم المادي، وتجدهم يبحثون دائماً عن فرص عمل خارج أوقات الدوام، وبشكل رئيسي من خلال الدروس الخصوصية. الأمر قد يدفع البعض إلى الاستهتار بإعطاء التلامذة في المدرسة حقهم، فيتم إعطاء التلميذ الجيد أو المعتدل اهتماماً، أما الضعيف فيتم إهماله". 
بدوره، يقول مدرس في إحدى المدارس العامة في دمشق، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب خاصة، في حديث مع "العربي الجديد": "المنهاج المدرسي غير معدّ لواقع المدارس، لا من حيث عدد التلامذة ولا من حيث البنية التحتية". ويلفت إلى أنه "من النادر أن تجد معلمين ينهون المقرر من المنهاج ضمن الخطة الدراسية، وهذه ظاهرة عامة في كلّ المحافظات". يضيف: "التلميذ غالباً لا يمكن أن يأخذ وقته خلال الدرس في المدرسة، فهو بحاجة لمن يتابعه في البيت، وإن لم يكن والداه قادرين على ذلك، فهو يلجأ إلى مدرّس خصوصي أو مركز متابعة، إن كان وضع العائلة المادي يسمح لها بذلك، فهناك عمال مياومون وآخرون يعملون على بسطات في الشوارع يقتطعون عن عائلاتهم حاجيات أساسية ليؤمنوا تكاليف تلك الدروس".       

المساهمون