سورية: نقابة المعلمين تلزم المدرسين في القطاع الخاص بالانتساب

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:54 (توقيت القدس)
في إحدى مدارس سورية، ديسمبر 2024 (كريس ماكغراث/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصدرت وزارة التربية والتعليم في سورية قرارًا يلزم مدرّسي القطاع الخاص بالانتساب إلى نقابة المعلّمين، مما أثار جدلاً حول تعزيز السيطرة الإدارية والمالية على التعليم الخاص.
- يهدف القرار إلى حماية حقوق المدرّسين وتنظيم المهنة، لكن المدرّسين يعبرون عن مخاوفهم من عدم تقديم ضمانات لتحسين أوضاعهم، بينما تخشى المدارس من زيادة الأقساط.
- يعكس القرار توجهًا حكوميًا لدمج القطاع الخاص في الإطار الإداري للدولة، مما قد يحد من مرونة المدارس الخاصة، ويفتح نقاشًا حول مستقبل التعليم الخاص في سورية.

بعد أسابيع على انطلاق العام الدراسي 2025-2026، فوجئ مدرّسو سورية في القطاع الخاص بتعميم يُلزمهم بالانتساب إلى نقابة المعلّمين، فيما أُلزمت المدارس الخاصة من جهتها بتسديد رسوم ومساهمات لمصلحة النقابة.

وبدا القرار الصادر في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري عن وزير التربية والتعليم في سورية، محمد عبد الرحمن تركو، بالنسبة إلى كثيرين من المدرّسين في القطاع الخاص، خطوة إضافية نحو تعزيز القبضة الإدارية وكذلك المالية على قطاع التعليم، مع العلم أنّه يشهد زيادات مستمرة في الأقساط، وتفاوتاً كبيراً في شروط العمل بين مدرسة وأخرى.

المدرّس السوري علاء الحسن يعمل في إحدى المؤسسات التربوية الخاصة بريف دمشق، يخبر "العربي الجديد" بأنّ التعميم وصل إليهم "من دون أيّ نقاش أو توضيح مسبق حول ذلك". ويوضح أنّ "الإدارة طلبت من جميع المدرّسين تجهيز الأوراق المطلوبة للانتساب إلى نقابة المعلّمين في خلال أيام، مع تلميحات بأنّ التأخّر في التنفيذ قد ينعكس على استمرارهم في وظائفهم". يضيف الحسن أنّ زملاءه بمعظمهم ينظرون إلى النقابة بوصفها جهة "لا تقدّم دعماً فعلياً"، ويرون أنّ إلزامهم بالانتساب إليها "يضيف عبئاً مالياً جديداً عليهم، فيما رواتبهم بالكاد تكفي مصاريفهم الأساسية".

من جهة أخرى، ترى إدارات المؤسسات التربوية التابعة للتعليم الخاص أنّ القرار يهدف إلى تنظيم العلاقة المهنية في هذا القطاع. وتقول مديرة مدرسة خاصة في دمشق، نسرين هرموش، إنّ الانتساب إلى نقابة المعلّمين "يحدّد مرجعية واضحة للمدرّسين في حال وقوع أيّ خلاف أو لمعالجة أيّ طلب". تضيف لـ"العربي الجديد" أنّ المدارس تشعر في الوقت نفسه بقلق من الأعباء المالية الإضافية التي سوف يتعيّن عليها سدادها، "خصوصاً في ظلّ ارتفاع تكاليف التشغيل من كهرباء ورواتب ومستلزمات".

وتوضح مصادر تربوية لـ"العربي الجديد" أنّ التعميم ليس خطوة معزولة، بل يأتي في سياق سلسلة من القرارات التي أعادت خلال الأشهر الأخيرة إحكام السيطرة على قطاع التعليم الخاص، سواء عبر المناهج أو الأقساط أو الموافقات الإدارية، الأمر الذي يثير مخاوف من أن تفقد مدارس سورية الخاصة المرونة التي تستند إليها في المنافسة وتطوير أساليب التعليم.

وعلى الرغم من أنّ النقابة تشير إلى أنّ الهدف من القرار هو حماية حقوق المدرّسين وتنظيم المهنة، فإنّ ردات الفعل تكشف عن فجوة متزايدة بين الجهات الرسمية والعاملين في القطاع الخاص، الذين يشعرون بأنّهم خارج دائرة صنع القرار، وأنّ الإجراءات الجديدة قد تزيد من هشاشتهم على الصعيد المعيشي.

في هذا الإطار، يقول نقيب المعلّمين في سورية، محمد المصطفى، لـ"العربي الجديد" إنّ القرار يمثّل "خطوة تنظيمية تهدف قبل كلّ شيء إلى حماية حقوق المدرّسين، ووقف حالة الفوضى في العقود والرواتب في المدارس الخاصة". يضيف أنّ مدّرسين كثيرين في القطاع الخاص "كانوا يعملون خارج أيّ غطاء قانوني أو نقابي، الأمر الذي يجعلهم عرضة للاستغلال". ويشير المصطفى إلى أنّ الرسوم المفروضة على المدارس الخاصة "لن تتحوّل إلى عبء إضافي"، لأنّها مخصّصة "لتطوير الخدمات النقابية وتوفير مظلة لحماية العاملين في المهنة". ويؤكد النقيب أنّ الانتساب الإلزامي "يضمن للمدرّس حقّه في التعويضات والصناديق النقابية، وفي التمثيل داخل المؤسسات التربوية"، مشدّداً على أنّ النقابة "منفتحة على الحوار مع إدارات المدارس الخاصة، لمعالجة أيّ مخاوف أو صعوبات عند التطبيق".

وتنبع أهمية القرار من كونه يعيد رسم العلاقة ما بين الدولة وقطاع التعليم الخاص، عبر ربط عشرات الآلاف من المدرّسين العاملين من خارج المنظومة الحكومية بجهاز نقابي رسمي لموظفي القطاع العام. ويعني ذلك توسيع قدرة النقابة على فرض حضورها داخل المدارس الخاصة، وتحويل الانتساب من خيار فردي إلى التزام إلزامي.

وبينما ترى مدارس عدّة أنّ الرسوم الجديدة قد تنعكس على الأقساط التي يسدّدها الأهالي، يعبّر مدرّسون عن مخاوفهم. مدرّسة اللغة العربية في اللاذقية، ريم العلي، واحدة من هؤلاء، تقول لـ"العربي الجديد" إنّ القرار "لا يقدّم ضمانات واضحة لتحسين وضع المدرّسين"، مشيرةً في الوقت نفسه إلى أنّ الانتساب الإلزامي "قد يكون خطوة صحيحة إذا ترافق مع تمثيل حقيقي للمدرّسين في النقابة، وليس بوصفه مجرّد إجراء شكلي".

في سياق متصل، يقول الخبير التربوي، هاشم الروابي، لـ"العربي الجديد" إنّ التعميم "لا يمكن فصله عن سياسة دمج القطاع في الإطار الإداري للدولة"، مشيراً إلى أنّ القرار "يحمل بعدَين متناقضَين". ويوضح أنّ البعد الأوّل يرتبط بـ"تنظيم وضع مدرّسي سورية في القطاع الخاص، وتوفير غطاء قانوني يحميهم من الفصل التعسفي أو الاستغلال"، وهو أمر يعدّه "إيجابياً من حيث المبدأ". أمّا البعد الثاني، فيتمثّل بحسب الروابي في "توسيع نفوذ النقابة على المدارس الخاصة بطريقة قد تؤدّي إلى تقييد استقلاليتها، خصوصاً في ما يتعلّق بإدارة الكادر التعليمي، وتحديد طبيعة عقود العمل". ويشير الخبير إلى أنّ نجاح القرار "يعتمد على الطريقة التي سوف تتعامل بها النقابة مع شكاوى المدرّسين، والشفافية في إدارة الرسوم التي سوف تُحصَّل من المدارس"، لافتاً إلى أنّ القرار "يعكس توجّهاً حكومياً للعودة إلى مركزية أكبر في إدارة التعليم، في وقت تحتاج فيه المنظومة التعليمية إلى تعزيز الكفاءة والمرونة لا إلى مزيد من القيود".

تجدر الإشارة إلى أنّ التعميم الأخير يعيد فتح النقاش حول مستقبل التعليم الخاص في سورية ودور الدولة في إدارته وتنظيمه، في وقت يتزايد فيه اعتماد شريحة واسعة من الأهالي عليه بفعل تراجع البنية التعليمية في المدارس الحكومية. وبين الالتزام النقابي والإرهاق المالي والأعباء الإدارية، يجد المدرّسون في المؤسسات التربوية الخاصة أنفسهم أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل موقعهم المهني وطبيعة العلاقة بينهم وبين مؤسسات التعليم الرسمية.

المساهمون