سورية: جدل في اللاذقية بعد إلزام المعلمين بدوام كامل بغض النظر عن نصابهم

19 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:07 (توقيت القدس)
في إحدى مدارس اللاذقية، غربي سورية، 19 أكتوبر 2025 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصدرت مديرية التربية والتعليم في اللاذقية تعميماً يلزم المدرّسين بالالتزام بالدوام المدرسي، مهددةً بإجراءات قانونية ضد المتغيبين، بهدف استقرار العملية التعليمية المتأثرة بارتفاع الغياب.

- أثار التعميم جدلاً بين الكوادر التعليمية، حيث يشكو المدرّسون من نقص البنية التحتية وتكاليف النقل، مما يجعل الالتزام بالدوام صعباً.

- يشير المعنيون إلى أن المشكلة أعمق من ضبط الحضور، مثل اكتظاظ الصفوف وضعف الرواتب، محذرين من طعون قانونية إذا لم تُحسّن بيئة العمل.

أثار التعميم الأخير الصادر عن مديرية التربية والتعليم في اللاذقية غربي سورية بخصوص الالتزام الكامل بالدوام تحت طائلة المساءلة، جدالاً بين المعنيين بالعملية التربوية، من إداريين ومدرّسين. والتعميم، الذي علّلته المديرية بأنّه يأتي "حرصاً على استقرار العملية التعليمية"، بدا بالنسبة إلى كثيرين جزءاً من سياسة أكثر تشدّداً في قطاع التعليم، خصوصاً بعد فصل نحو ثلاثة آلاف مدرّس في الأشهر الماضية، بسبب تغيّبهم أو مخالفتهم ضوابط الدوام.

وكانت مديرية التربية في اللاذقية قد وجّهت، أوّل من أمس الاثنين في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، تعميماً إلى إدارات المدارس في مدينة اللاذقية وريف المحافظة، طالبتها فيه بإبلاغ جميع العاملين فيها، من إداريين ومدرّسين، بضرورة الالتزام الكامل بالدوام المدرسي، وذلك طيلة أيام الأسبوع، بغضّ النظر عن نصابهم من الحصص الدراسية، وفقاً للبرنامج المدرسي المحدّد لكلّ مؤسسة تربوية. كذلك يقضي التعميم بعدم مغادرة مكان العمل خلال الدوام الرسمي إلا بموجب إذن خطي صادر عن الجهة المختصة، مع اعتبار أيّ عامل يتغيّب عن العمل لمدّة 15 يوماً على التوالي أو 30 يوماً بنحو متفرّق بـ"حكم المستقيل"، وتُتّخذ بحقّه الإجراءات القانونية بحسب الأصول.

وأشارت المديرية، في تعميمها، إلى وجوب أن تطبّق إدارات المدارس وكذلك المشرفون الإداريون التربويون والاختصاصيون "حسن تنفيذ مضمون هذا التعميم ميدانياً"، إلى جانب رفع التقارير إليها حول أيّ مخالفة أو تقصير في تطبيق التعليمات. وأفاد مصدر رسمي في وزارة التربية والتعليم السورية "العربي الجديد" بأنّ السبب الرئيسي وراء إصدار هذا التعميم هو "ارتفاع حالات التغيّب المتكرّر من دون مبرّر قانوني، بما ينعكس مباشرة على التلاميذ ويؤدّي إلى تعطّل الحصص وتغيّر الجداول بصورة دائمة". وأضاف أنّ الوزارة تلقّت "تقارير تشير إلى أنّ مدارس بأكملها كانت تعمل أحياناً بنصف الكادر الخاص بها، الأمر الذي دفع إلى التشدّد في ضبط الدوام".

لكنّ تبريرات الوزارة لم تُقنع كثيرين من الكوادر، ورأوا أنّ المشكلة ليست في الغياب فحسب، إنّما في البيئة التي تجعل وجودهم اليومي شبه مستحيل. وبينما يحتجّ مدرّسون بصمت، يُسأل: هل تستطيع التعاميم وحدها إصلاح قطاع ينهار منذ سنوات؟ أو أنّ الأزمة تستوجب ما هو أبعد من ضبط الحضور؛ إعادة بناء كاملة للمنظومة التعليمية؟

يقول مدرّس العلوم، راضي يونس، في مدينة اللاذقية إنّ القرار "يحمّل المدرّس مسؤولية فوضى سبّبها ضعف البنية التحتية"، ويشرح لـ"العربي الجديد" أنّ "لا غرف صفوف كافية، ولا مكاتب، ولا حتى كراسي في عدد من المدارس". ويسأل: "كيف نبقى ساعات إضافية في مكان لا يملك تجهيزات للعمل؟"، مشيراً إلى أنّ "البقاء لمجرّد البقاء لا يصنع تعليماً".

وفي ريف اللاذقية، تبدو المسألة أكثر صعوبة. تخبر مدرّسة اللغة العربية رنا إسماعيل "العربي الجديد" بأنّها تقطع يومياً مسافات طويلة للوصول إلى المؤسسة التربوية حيث تعمل. تضيف أنّ "قراراً مماثلاً (للتعميم الأخير الصادر عن مديرية التربية في اللاذقية) يعني أنّني سوف أضطرّ إلى تحمّل تكاليف بدلات نقل لأيام لا حصص لي فيها"، مشدّدةً على أنّ "راتب المدرّس لا يمكنه أن يتحمّل هذا. ومن غير المفترض أن يمثّل الدوام عبئاً إضافياً".

من جهته، يرى مدرّس التاريخ، محمد عزّام، في اللاذقية، أنّ تعميم المديرية "تجاهل المشكلات الهيكلية الأعمق". ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "مدرّسي الرياضيات والعلوم يعملون بنصاب يقترب من الحدّ الأقصى، فيما يُسجّل فائض كبير في عدد من الاختصاصات. وبالتالي لا يمكن فرض الدوام المتساوي على جهد غير متساوٍ".

وعلى الرغم من تشدّد وزارة التربية والتعليم السورية، يرى كثيرون أنّ جذور المشكلة في القطاع أعمق، لجهة اكتظاظ الصفوف، وغياب التجهيزات، وضعف الرواتب، والتوزيع غير العادل للكادر، وهجرة الخبرات.

وفي هذا الإطار، يقول المحامي السوري، حسن الغصن، لـ"العربي الجديد" إنّ "القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 يتيح للإدارة اعتبار العامل المتغيّب من دون مبرّر بحكم المستقيل، إنّما بشرط التحقّق من أنّ الغياب غير مشروع، إلى جانب توجيه إنذارات أصولية له قبل اتّخاذ القرار بحقّه".

يضيف الغصن أنّ "من حيث المبدأ، يمكن لوزارة التربية والتعليم تنظيم الدوام، إنّما إلزام الجميع بالحضور الكامل من دون مراعاة طبيعة العمل أو حاجة المدرسة قد يفتح الباب أمام طعون قانونية، خصوصاً إذا أثبت المدرّس أن وجوده في المدرسة لم يكن ضرورياً، أو أنّ بيئة العمل لا تلائم عملية الإلزام هذه". ويشير المحامي إلى أنّ "موجة القرارات الأخيرة، بما فيها فصل آلاف المدرّسين، تعكس توجّهاً متشدّداً في الإدارة، مع العلم أنّ ذلك لا يعفيها من واجب توفير بيئة عمل مناسبة قبل فرض أيّ التزام إضافي".

المساهمون