سورية تواجه سوء التغذية: المسح الوطني خطوة علمية لإنقاذ الأطفال والنساء
استمع إلى الملخص
- يهدف المسح لتحديد معدلات سوء التغذية والتقزّم ونقص الوزن، وتقييم ممارسات التغذية، باستخدام فرق ميدانية متخصصة وأدوات قياس معيارية، لوضع خطط وطنية جديدة بالتنسيق مع المنظمات الدولية.
- يركز المسح على فهم واقع الأسر الهشة وتحديد المناطق التي تحتاج لتدخل عاجل، مع تعزيز برامج الرضاعة الطبيعية والتغذية التكميلية، ودعم الأمهات، لتحسين صحة الأطفال والنساء وتطوير سياسات التغذية الوطنية.
أطلقت وزارة الصحة في سورية، الاثنين، بالتعاون مع منظمات دولية ومحلية، المسح الوطني التغذوي في جميع المحافظات، في خطوة تهدف إلى رسم صورة دقيقة عن الوضع الصحي والغذائي للأطفال والنساء خلال عام 2025. ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ المسح في الفترة بين نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول المقبل في 14 محافظة، عبر فرق طبية متخصصة تتنقل بين المنازل لإجراء قياسات مباشرة وجمع بيانات مفصلة، بهدف فهم الواقع بعيداً عن التقديرات النظرية أو المراجعات العيادية.
يهدف المسح إلى رصد معدلات سوء التغذية الحاد، التقزّم، ونقص الوزن لدى الأطفال من عمر يوم إلى خمس سنوات، بالإضافة إلى تقييم ممارسات تغذية الرضع، مثل البدء المبكر بالرضاعة الطبيعية والحصرية خلال الأشهر الستة الأولى، وإدخال الطعام التكميلي في التوقيت المناسب. كذلك يشمل تقييم مستويات الإسهال والسعال والمشاكل التنفسية لدى الأطفال خلال الأسبوعين السابقين للمسح، ورصد مصادر الغذاء المتاحة للأسر، ومدى قدرتها على الوصول إلى مياه شرب محسّنة ومرافق صرف صحي ملائمة.
تعمل الفرق الميدانية، المكونة من ثلاثة مختصين في كل فريق، باستخدام أدوات قياس معيارية تشمل ميزاناً إلكترونياً ومساطر خشبية وشريط قياس لمحيط منتصف العضد للأطفال والنساء. وتعتمد كل أسرة على استبيان خاص تُحفظ بياناته بسرية تامة، لتشكّل قاعدة لتحليل النتائج ووضع خطط وطنية جديدة في مجال التغذية.
بدورها تؤكد الدكتورة هلا داود، مديرة برنامج التغذية بوزارة الصحة في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن المسح يشكّل "خطوة محورية لفهم التحولات التي طرأت على الوضع التغذوي في سورية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع التحديات الاقتصادية التي أثّرت مباشرةً بقدرة الأسر على توفير غذاء متوازن".
وأوضحت أن الاعتماد على الزيارات المنزلية يهدف إلى الحصول على بيانات واقعية ودقيقة، بعيداً عن أي تقديرات مبنية على المراجعات العيادية فقط. وأضافت داود أن هذه المعلومات التفصيلية ستساعد على تحديد معدلات سوء التغذية وفهم ممارسات تغذية الرضع وصغار الأطفال، ومعرفة أسباب أي تراجع في مؤشرات الرضاعة الطبيعية أو التغذية التكميلية.
وأكدت المتحدثة أن العمل يجري بالتنسيق مع المنظمات الدولية و"مجموعة عمل قطاع التغذية" لضمان تطبيق منهجيات معتمدة عالمياً تسمح بالمقارنة بين المحافظات ورسم خرائط دقيقة لنقاط الضعف.
الفرق الطبية التقت أسرة الطفل محمد التيناوي في ريف دمشق، البالغ من العمر سنتين. تقول والدته، لينا الرشيد، وهي تحاول إطعامه: "محمد لا يأكل كثيراً، وقد أصبح ضعيفاً جداً مقارنة بأطفالي الآخرين في عمره. أحياناً لا أستطيع شراء الطعام الصحي الذي يحتاجه بسبب ارتفاع الأسعار وقلة الموارد".
ويعاني الطفل من التقزم وسوء الوزن الحاد، وهو ما لاحظته الفرق الطبية عند إجراء القياسات الميدانية. وتضيف والدته لـ"العربي الجديد": "أحاول أن أقدم له ما أستطيع من الحليب والخضروات، لكن الأمر صعب جداً، وأخشى أن تؤثر هذه الظروف بنموه وصحته في المستقبل".
توضح هذه الحالة بشكل ملموس أهمية المسح الوطني التغذوي، فهو لا يكتفي بجمع أرقام وإحصاءات، بل يساعد على فهم واقع الأسر الأكثر هشاشة وتحديد المناطق والفئات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، كذلك فإنه يتيح للوزارة تصميم برامج موجهة تعزز صحة الأطفال والنساء في الوقت نفسه.
يؤكد طبيب التغذية الدكتور مصطفى السيد، عضو فريق متابعة التغذية الوطنية لـ"العربي الجديد"، أن سوء التغذية لدى الأطفال مثل محمد لا يعود فقط إلى نقص الغذاء، بل يشمل عوامل متعددة، مثل محدودية تنوع الطعام، قلة الوعي بالممارسات الغذائية السليمة، ونقص المكملات الغذائية الأساسية، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تحد من قدرة الأسر على توفير وجبات صحية ومتوازنة. ويشير السيد إلى أن الحلول تتطلب نهجاً متكاملاً يبدأ بالتدخل المبكر للأطفال والرضع، عبر متابعة نموهم دورياً، وتشخيص حالات التقزم ونقص الوزن في مراحل مبكرة، وتقديم المكملات الغذائية الضرورية، مثل الفيتامينات والمعادن الأساسية.
ويضيف طبيب التغذية أن تعزيز برامج الرضاعة الطبيعية والتغذية التكميلية يمثل حجر الزاوية في مواجهة سوء التغذية، مع تعليم الأمهات طرق إعداد وجبات صحية ضمن الموارد المتاحة.
ويشدد أيضاً على ضرورة دعم الأمهات اقتصادياً واجتماعياً لضمان قدرتهن على توفير غذاء متوازن لأطفالهن، بالإضافة إلى تدريب الفرق الطبية والمجتمعية على متابعة الأسر، وتقديم المشورة الغذائية، ومراقبة معدلات سوء التغذية دورياً، مع رصد المشاكل الصحية المصاحبة التي تؤثر بامتصاص الغذاء، مثل الإسهال والإنتانات التنفسية.
ويشير إلى أن ضمان الأمن الغذائي في المجتمع بأكمله، بما في ذلك توفير مياه شرب، ومرافق صرف صحي مناسبة، وتعليم الأسر طرق تخزين الطعام وحمايته من الفساد، يمثل جزءاً أساسياً من المعالجة الشاملة لسوء التغذية. ويختم بالإشارة إلى أن البيانات التي سيجمعها المسح الوطني ستكون أداة لتصميم حلول عملية وحقيقية، بحيث يمكن توجيه الموارد بشكل دقيق لتحسين صحة الأطفال والنساء وتقليل حالات التقزم وسوء التغذية بشكل مستدام، مؤكداً أن صحة الطفل مؤشر مباشر على صحة المجتمع بأكمله.
وتشير وزارة الصحة إلى أن المسح الوطني سيُسهم في وضع تصور أشمل عن واقع الأمن الغذائي والصحي في البلاد، وفي تعزيز البرامج الوطنية المخصصة للأمهات الحوامل والمرضعات والأطفال دون الخامسة، بما في ذلك المكملات الغذائية، ودعم الرضاعة الطبيعية، والمتابعة الدورية لحالات سوء التغذية، كذلك سيساعد على تطوير خدمات مراكز الرعاية الصحية الأولية البالغ عددها 929 مركزاً لتكون أكثر استجابة لاحتياجات الأطفال والنساء.
يشكل هذا المسح خطوة أساسية نحو تطوير سياسات التغذية الوطنية بشكل علمي دقيق، بحيث لا تقتصر الجهود على معالجة الأعراض، بل تعمل على معالجة الأسباب الجذرية لسوء التغذية، وتمكين الأسر، لضمان أن كل طفل في سورية يحصل على الغذاء الكافي لنمو صحي ومتوازن.