استمع إلى الملخص
- تعبر المعلمات مثل علا شيبان ونسرين الطويل عن شعورهن بالغبن، ويفكر الكثير منهن في ترك المهنة بسبب الظروف الصعبة، بينما يصف المعلمون وضعهم بأنه "معلق" مع زيادة الشعور بالظلم والضغط النفسي.
- يؤكد الموجه التربوي سامر الحسين على ضرورة إصلاحات بنيوية تشمل تثبيت المعلمين وصرف الرواتب بانتظام ومنح الحقوق الأساسية لتحسين جودة التعليم واستقرار المعلمين.
يعاني آلاف المعلمين الوكلاء غير المثبتين في مدارس سورية ضياعَ حقوقهم وتأخرَ رواتبهم، بينما يمارسون مهام المثبتين ويشكلون أساس التعليم.
يعيش آلاف من المعلمين الوكلاء والموظفين غير المثبتين في مدارس سورية أزمة معقدة، رغم ما يشكلونه من عمود فقري للعملية التعليمية، إذ يعملون في ظروف متردية، ويواصلون أداء مهامهم وفق رواتب متأخرة، ومن دون تثبيت يمنحهم أبسط أشكال الأمان الوظيفي. ومع أن المدارس تعتمد عليهم لسد النقص الكبير في الكوادر، يُحرمون من حقوق أساسية مثل الإجازات السنوية، ويُطلب منهم الانضباط وكأنهم موظفون رسميون. وبين التزامات العمل وضغوط المعيشة، يتحملون العبء الأكبر من دون أن يكون لهم أي حضور في الهياكل الوظيفية.
تقول علا شيبان (32 سنة)، وهي معلمة لغة عربية تعمل بالوكالة منذ خمس سنوات في ريف حلب، إن أكثر ما يرهقها ليس ضغط الحصص ولا ازدحام الصفوف، بل غياب الشعور بالاستقرار وضبابية المستقبل. وتضيف لـ"العربي الجديد"، أن استمرارها في العمل من دون رقم وظيفي يعني أنها تعيش "على الهامش"، إذ لا تعرف إن كانت ستبقى في المدرسة أم أنه سيُستغنى عنها في أي لحظة، على الرغم من أنها تؤدي واجباتها كاملة مثل أي معلمة مثبّتة.
وتشير شيبان إلى أنها لم تتقاضَ أي راتب منذ بداية العام الحالي، ما يفاقم ضائقتها المالية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة المعيشة. وحين تتقاضى الراتب سيكون بلا قيمة، لأن جزءاً كبيراً منه قد استُهلك سلفاً عبر الديون. وهي تضطر إلى إعطاء حصص إضافية لتعويض غياب معلمين آخرين أو تغطية النقص في الكادر، لكنها لا تحصل على أي مقابل مادي أو حتى اعتراف رسمي بتلك الساعات.
وتوضح: "أكثر ما يشعرني بالغبن هو غياب الحقوق الأساسية، مثل الإجازة أو الإذن الطارئ، وهو أمر يحتاج إلى موافقات طويلة، وقد يُرفض بحجة عدم وجود رقم ذاتي. استمرار هذا الوضع يدفع الكثير من الوكلاء إلى التفكير في ترك المهنة، لأن التضحيات صارت أثقل من القدرة على تحمّلها".
من حماة، يصف معلم الرياضيات أحمد بربور (41 سنة) وضع الوكلاء بأنه "معلق"، ويقول: "رغم تحمّلي حصصاً تزيد عن النصاب الرسمي للمعلّم المثبّت، لا أملك حق الإجازة المَرضية إلا بموافقة معقدة تُرفض غالباً. شعور الظلم يكبر كلما تأخر صرف الرواتب، ومطلبنا الأساسي هو التثبيت، ومنح كل معلم رقماً ذاتياً يضمن له الاستقرار والحماية".
بدورها، تشعر المعلمة نسرين الطويل (29 سنة)، من ريف دمشق، أنها معلّمة من الدرجة الثانية، رغم أنها تحمل شهادة جامعية، وتقوم بكل واجباتها التربوية، وتقول لـ"العربي الجديد": "الإدارة تطالبنا بالالتزام الكامل، لكنها لا تمنحنا حق الإجازة السنوية، ولا حتى الإذن الطارئ إلا بعد سلسلة من الموافقات. زميلات لي تركنَ المهنة بسبب الظروف غير المنصفة، والتعليم يخسر كفاءات حقيقية بسبب غياب التثبيت".
ويختصر المعلم محمود الأسود (35 سنة) من ريف إدلب، يومياته بأنها "معركة بين حبّ المهنة وضغط الحاجة، وسط صفوف مكتظة وظروف معيشة قاسية، إذ أتنقّل يومياً بين القرى لتغطية حصص مدارس تعاني نقصاً في المدرّسين، وعدم احتساب الساعات الإضافية يُشعرني بأن جهودي غير معترف بها، وغياب التأصيل الوظيفي يدفعني إلى العيش كل يوم بيومه".
لا تقتصر هذه الظروف على المعلمين غير المثبّتين، وإنما تشمل الموظفين. تعمل آمنة الخطيب (35 سنة) في إحدى مدارس دير حسان شمال إدلب، وتقول: "أعمل منذ عامين من دون تثبيت، لكن الوضع لم يعد يُحتمل، خصوصاً أن زوجي يعاني إعاقة تمنعه من العمل، ولا أتقاضى راتبي، ما اضطرّني إلى الاستدانة لتأمين احتياجات أطفالي. أشعر أنني غير مرئية كوني لا أملك رقماً وظيفياً أو أي ضمانات حقيقية، رغم التزامي الكامل بالدوام والمهام، والقلق يرافقني يومياً خشية استمرار هذا الواقع الأليم".
ويرى الموجّه التربوي سامر الحسين أن مشكلة الوكلاء في سورية ليست مجرد مسألة إدارية، إنما أزمة بنيوية تطاول كل قطاع التعليم، وأن الاعتماد المتزايد على الوكلاء من دون منحهم حقوق التثبيت وصرف الرواتب بانتظام، ومنح الإجازات والاعتراف الكامل بجهودهم، سيؤدي إلى تراجع جودة العملية التعليمية. فالمعلم الذي يعمل من دون ضمان وظيفي لا يستطيع التخطيط لمستقبله المهني أو تطوير مهاراته.
ويبيّن لـ"العربي الجديد" أن أولى خطوات معالجة الأزمة تكمن في إقرار آلية وطنية واضحة للتثبيت تعتمد على سنوات الخبرة والشهادات، إلى جانب وضع جدول زمني لصرف الرواتب كل شهر، واحترام حق المعلمين في الإجازات والأذونات، أسوةً بأي موظف تربوي رسمي.