سورية: التعليم بات مكلفاً

27 ديسمبر 2020
الصورة
عوائق مالية كبيرة تحول دون إنهاء الجامعة أو حتى الانتساب إليها (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

بات التعليم المجاني في سورية مجرد شعار بعيد عن الواقع، في ظل ارتفاع التكاليف المادية التي تتحملها العائلة مقابل تعليم أبنائها وبناتها. وتزداد الكلفة كلما تقدموا في مراحلهم الدراسية. وهو ما يهدد مستقبل كثير من الشباب، في مناطق النظام السوري، من جراء عجزهم عن متابعة تعليمهم.

يقول أبو سليمان بيرقدار (52 عاماً)، وهو موظف في العاصمة دمشق، إنّ الطالب اليوم يحتاج إلى راتب كامل. يضيف لـ"العربي الجديد": "حلم الفقراء أمثالنا هو أن يتعلم أبناؤهم، علّهم يغيرون حياتهم إلى الأفضل بالطبع، فتكون لهم فرص أكبر بالسفر، لكنّ التعليم بمختلف تفاصيله بات مكلفاً جداً". يشرح: "ابنتي الكبرى تدرس الهندسة في جامعة تشرين بمدينة اللاذقية، وهي طبعاً جامعة حكومية، لكنّها تحتاج في الشهر إلى 50 ألف ليرة سورية (نحو 18 دولاراً بسعر الصرف الفعلي) على الأقل، لتوفر مصروفها اليومي، ما بين طعام ونقل واحتياجات شخصية أساسية، بالرغم من أنّ ابنتي متقشفة جداً وغير متطلبة لكنّ كلّ شيء مرتفع الثمن، فيما متوسط راتب الموظف 60 ألف ليرة (21.5 دولاراً)". يتابع: "تضاف إلى ذلك مصاريف المحاضرات، فأساتذة الجامعات يعتمدون اليوم على بيع ملخصات المحاضرات مقابل إهمال الكتاب الجامعي، بالإضافة إلى ما يتعلق بطباعة المشاريع وغيرها من قرطاسية، فالقلم السيئ، حتى، ثمنه 500 ليرة (0.17 دولار)، والدفتر بنحو ألفي ليرة (0.71 دولار) والحقيبة بنحو 20 ألف ليرة (7.14 دولارات)، وهكذا". وهذا العام، دخلت الابنة الثانية لبيرقدار، إلى كلية الطب، وبقدر ما فرح بتفوق ابنته بقدر ما هو قلق، إذ كيف يمكن له أن يغطي مصاريفها؟ فاختصاص الطب أيضاً من الاختصاصات المكلفة مادياً. يقول: "بالإضافة إلى وظيفتي لديّ عمل أخر، وزوجتي تعمل أيضاً، فيما ابنتاي تدرسان في الجامعة، وابني ينهي العام الدراسي المقبل شهادته الثانوية، ولا أعلم في أيّ اختصاص سيدرس. كلّ دخلي الحالي، تقريباً، يذهب لهم، فيما مصروف البيت من راتب زوجتي. حظي جيد أنّنا نمتلك منزلاً وإن كان في منطقة عشوائية على أطراف دمشق، لكن، لو كنت مستأجراً لكان من المستحيل تأمين احتياجاتهم الدراسية".
لا يملك جميع الطلاب مثل هذا "الحظ الجيد" الذي يحالف ابنتي بيرقدار، فقد خسر وسام دراسته في كلية هندسة النفط العام الماضي، بعدما كان يفصله عن نيل الشهادة عامان فقط، والسبب مالي. يقول لـ"العربي الجديد": "كنت من الطلاب المتفوقين لكن وصلت إلى مرحلة لم أعد استطيع فيها تأمين أجرة الطريق، وأصبح تعليمي عبئاً ثقيلاً على كاهل أبي، فقررت أن أتوقف عن الجامعة حالياً، مع الأمل في أن أتمكن من إكمال دراستي في حال تحسنت الأحوال المادية". يضيف: "لن أتمكن من البقاء في سورية، لأنّني سأكون مطلوباً للخدمة العسكرية في القوات النظامية، والخدمة نفسها تحتاج إلى مساعدة مادية وإلا فستكون صعبة جداً، حتى على مستوى تأمين الطعام، لذلك يجب أن أسافر قبل مارس/ آذار المقبل، وغالباً ستكون وجهتي إلى كردستان العراق، آملاً أن أتمكن من مساعدة عائلتي في تدبر حياتها، وألا يخسر أخي جامعته كما حدث معي".

طلاب وشباب
التحديثات الحية

من جانبه، يرى أبو ماهر السيد، وهو ناشط في مجال العمل الخيري، في حديثه إلى "العربي الجديد" أنّ "دعم الطلاب بات عبئاً جديداً على العائلات، وبدأ يأخذ حصة ليست صغيرة مما يجمع للعمل الخيري، فهم محتاجون إلى الملابس والقرطاسية والمصروف الشخصي، وحتى الطعام في بعض الأحيان". ويعرب عن خشيته من أن "يفقد كثير من الطلاب السوريين فرصتهم في التعليم بسبب تردي الوضع الاقتصادي، ما سيجعلنا امام خطر ضياع جيل من الشباب، سيحمل داخله كثيراً من السخط والقهر، ويحرم سورية من مساهمته في بنائها".

عقبتا الفقر والوباء
مع استمرار الحرب في سورية، التي أتت على مقدرات البلاد، بلغت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، نحو 90 في المائة، بحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية، أكجمال ماجتيموفا. ويفتقر أكثر من 9.3 ملايين شخص إلى الغذاء الكافي في وقت يتسارع فيه تفشي فيروس كورونا الجديد في البلاد. وهي عقبات أساسية تحول دون مواصلة كثير من الطلاب الجامعيين، وحتى تلاميذ المدارس، تعليمهم.

المساهمون