سوريان يرويان تفاصيل ليلتَين من الرعب بحي الشيخ مقصود في حلب

12 يناير 2026   |  آخر تحديث: 21:09 (توقيت القدس)
هكذا بدا حيّ الشيخ مقصود في حلب بسورية، 12 يناير 2016 (عبد الله السعد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد حيّ الشيخ مقصود في حلب اشتباكات عنيفة أثارت الخوف بين السكان، حيث تعرضت الأحياء لإطلاق نار عشوائي، مما أدى إلى حالة من الرعب وعدم اليقين وسط انقطاع الكهرباء.

- يعاني الحي من ظروف معيشية قاسية، حيث يعيش أكثر من 60% من السكان تحت خط الفقر، مع نقص في الكهرباء والمياه، والاعتماد على المساعدات الإنسانية غير الكافية، واستمرار العنف رغم الاتفاقات السياسية.

- بعد استعادة السيطرة، أعلنت محافظة حلب عن إجراءات لتحسين الاستقرار والخدمات، لكن السكان مثل أبو جوان يتمسكون بالأمل في مستقبل أفضل لسورية.

في حيّ الشيخ مقصود بمدينة حلب شمال غربي سورية، لم تكن ليلتا الاشتباكات الأخيرة مجرّد حادث أمني عابر، بل تجربة ثقيلة اختزلت سنوات من الخوف والفقر وعدم اليقين. وعلى الرغم من الاتفاق بين الدولة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، فقد سُجّل إطلاق نار عشوائي في داخل الأحياء السكنية، من دون خطوط تماس واضحة، لتصل مباشرة إلى بيوت المدنيين الذين لا دروع تحميهم سوى الجدران الرقيقة، فيما القلق راح يجتاحهم.

آزاد حسن، سوري كردي يقيم في حيّ الشيخ مقصود منذ سنوات، يشير لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ الرصاص هدد الجميع. في إحدى الليلتَين، جمع أطفاله في إحدى زوايا المنزل محاولاً إبعادهم عن النوافذ، فيما راحت زوجته تحاول تهدئتهم وسط الظلام. الكهرباء مقطوعة في الأساس، وهم اعتادوا تشغيل مصباح صغير يعمل على البطارية؛ لكن حتّى هذا الضوء الخافت صار خطراً. بالنسبة إلى آزاد، "لا يجب أن يحدث ذلك"، فهذه منطقة سكنية خالصة، ومن غير المفترض أن تكون ساحة لتصفية الحسابات.

الصورة
بعد اشتباكات حي الشيخ مقصود - حلب - سورية - 12 يناير 2026 (عبد الله السعد)
بعد الاشتباكات في حيّ الشيخ مقصود، حلب، 12 يناير 2026 (عبد الله السعد)

على بعد أمتار، كان أبو جوان، وهو سوري كردي نزح إلى حيّ الشيخ مقصود من منطقة عفرين شمال غربي محافظة حلب، يعيش الليلة نفسها بوصفها "يوماً من الجحيم"، يقول لـ"العربي الجديد" إنّ الرعب لم يكن في صوت الرصاص فحسب، بل في تشويش الفكر، وفي الإحساس بالتيه بين الحياة والموت، ويضيف بمرارة: "غضب ربّ العالمين نزل علينا لأنّنا من عفرين"، قبل أن يستدرك "نحن سوريون، ومن حقّنا أن نعيش بشرف وكرامة وبأمان واستقرار. لا ذنب لي لأنّني خُلقت كردياً من عفرين".

مرّت الساعات بطيئة وثقيلة. مئة فكرة وفكرة راحت تتزاحم في رأس أبو جوان: كيف يمكنه حماية زوجته؟ إلى أين يمكنه الهرب في حال توسّعت الاشتباكات؟ وهل سيكون ثمّة صباح بالفعل؟ ويصف الرجل تلك اللحظات بأنّها "أشبه بحلم قريب من الموت، وأشبه بما جرى في حروب عالمية كنت أسمع عنها"، لافتاً إلى أنّه لم يتخيّل يوماً أن يعيش شيئاً منها في داخل حيّ سكني مكتظّ بالمدنيين.

الصورة
وسط دمار حي الشيخ مقصود - حلب - سورية - 12 يناير 2026 (عبد الله السعد)
وسط دمار حيّ الشيخ مقصود في حلب، 12 يناير 2026 (عبد الله السعد)

ويعاني حيّ الشيخ مقصود على غرار باقي أحياء حلب المتعبة من ظروف معيشية قاسية، في الأساس. أكثر من 60% من السكان يعيشون تحت خطّ الفقر، فيما الكهرباء شبه معدومة، والمياه فلا تصل إلا نادراً، ويعتمد الأهالي على الصهاريج وعلى مساعدات إنسانية لا تكفي الجميع.

وعند دخول أيّ قافلة إغاثة، تتشكّل الطوابير سريعاً؛ نساء ينتظرنَ سلة غذائية ورجال يقفون بصمت من أجل ربطة خبز وأطفال يحملون بطانيات (اغطية) كأنّها كنز. ويخبر آزاد أنّه "يراقب هذه الطوابير، وأنّ كلّ مشكلة سياسية أو عسكرية تنتهي هنا؛ عند الناس العاديين. الاتفاقات لا تمنع الرصاص، والبيانات لا تعيد الكهرباء، والخسارة تقع دائماً على السوريين الذين لا صوت لهم. وبعد توقّف إطلاق النار، عاد الهدوء إلى حيّ الشيخ مقصود لكنّه كان هدوءاً هشّاً ومثقلاً بالخوف من تكرار المشهد".

وفي الصباح، خرج آزاد وأبو جوان، كلّ من جهته، لتفقّد الحيّ. نافذة تحطّمت هنا، وواجهة منزل تضرّرت هناك، وأطفال لم يناموا ليلتهم. لا وعود واضحة بأنّ ما جرى لن يتكرّر، ولا إحساس حقيقياً بالأمان.

وعقب استعادة الدولة السيطرة على حيّ الشيخ مقصود أخيراً، أعلنت محافظة حلب عن حزمة إجراءات شرحت أنّها تهدف إلى إعادة الاستقرار وتحسين الواقع الخدمي في الحيّ. وشملت هذه الخطوات نشر قوى أمنية لضبط الأمن، ومنع أيّ مظاهر مسلحة في داخل الأحياء السكنية، إلى جانب فتح ممرّات لتسهيل حركة المدنيين وتنظيم الدخول والخروج.

كذلك أشارت المحافظة إلى بدء تقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، تمهيداً لإعادة تأهيل شبكات كهرباء حيّ الشيخ مقصود ومياهه والصرف الصحي فيه، والعمل لتحسين واقع النظافة والخدمات الأساسية. وبحسب ما أُعلن، جرى كذلك التنسيق مع الجهات الخدمية لتأمين احتياجات السكان الأساسية، في محاولة لاحتواء التوتّر وطمأنة الأهالي، في حيّ يعاني أصلاً من ظروف معيشية صعبة وتراكم طويل للأزمات.

وعلى الرغم من كلّ شيء، يتمسّك أبو جوان بالأمل، تماماً مثلما يفعل كثيرون. ويقول: "نأمل بأن نعيش، وبأن تكون الأيام المقبلة أفضل". وفي محاولة لاختصار ما يريدان التعبير عنه، يضيف أنّ "سورية لجميع السوريين". بالنسبة إليه وبالنسبة إلى آزاد، هذه ليست عبارة إنشائية، بل مطلب حياة وحقّ بسيط، ينتظران أن يصيرا واقعاً في حيّ أنهكته الحرب وما زال يدفع ثمنها حتى اليوم.

المساهمون