سودانيو الفاشر... مشاهد صادمة على طرقات النزوح

الخرطوم

محمد عبد الباقي

المثنّى - القسم الثقافي
محمد عبد الباقي
محمد عبد الباقي
16 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18 نوفمبر 2025 - 11:20 (توقيت القدس)
45546
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مأساة الفاشر بدأت منذ 18 شهراً مع حصار قوات الدعم السريع، مما أدى إلى عزل 260 ألف مدني، ونتج عنه الجوع والقتل وفقدان الأدوية وانقطاع المياه والاتصالات.

- بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، تعرض النازحون لانتهاكات جسيمة أثناء محاولتهم الفرار، شملت التجريد من المقتنيات والابتزاز والاعتداءات، مع صعوبات في الوصول إلى مناطق آمنة.

- النازحون في مناطق مثل أم درمان يعانون من نقص الدعم الإنساني، مع صعوبات في الحصول على الغذاء والمأوى، ويعتمدون على كرم السكان المحليين، بينما يواجه الأطفال والنساء سوء التغذية والإرهاق.

تستمرّ مأساة سودانيي الفاشر بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة التي تُعَدّ عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان، علماً أنّها كانت قد بدأت قبل 18 شهراً، منذ حصار المدينة التي كانت تخضع للجيش. وفي خلال هذه المدّة، واجه نحو 260 ألفاً مدنياً، ظلّوا عالقين في مدينة الفاشر، أزمات مختلفة وسط الحصار الذي عزلهم عن باقي أنحاء البلاد؛ من جوع وقتل وفقدان للأدوية وانقطاع لمياه الشرب وتعطّل شبكة الاتصالات.

وإلى جانب المجاعة، التي كان قد أُعلِنتْ في الفاشر للمرّة الأولى في أغسطس/ آب من عام 2024 قبل أن تتأكّد مرّة أخرى في أوائل نوفمبر/ تشرين الماضي الجاري، وانهيار الخدمات الأساسية وتراجع سلطة الدولة قي المدينة، أتى خروج السودانيين من الفاشر شاقاً كذلك. فهؤلاء راحوا يتعرّضون لانتهاكات بشعة على طرقات النزوح، خصوصاً عند الحواجز الأمنية التي تكثر في محيط المدينة من كل الجهات، وكذلك عند الحواجز الأمنية الأخرى على الطرقات نحو المناطق الأقلّ عنفاً في ولاية شمال دارفور، ولا سيّما مدينتي طويلة والدبّة، وفي ولاية الخرطوم.
وعند الحواجز الأمنية التي يسيطر عليها عناصر قوات الدعم السريع، راح المسلحون يجرّدون النازحين من مقتنياتهم الشخصية، فيما يجبرون أعداداً من هؤلاء على دفع مبالغ مالية في مقابل السماح لهم بمواصلة النزوح، فيما تُضاف إلى ذلك عمليات القتل والجرائم الجنسية والإخفاء القسري.
وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تعرّض ما لا يقلّ عن 160 ألفاً من المدنيين الذين فرّوا من المدينة لانتهاكات بليغة، وتكبّدوا مشقّات كبيرة في أثناء نزوحهم، فساروا لمسافات طويلة على أرجلهم من دون أيّ طعام لأيام، فيما تقاسموا قليلاً من مياه الشرب. وتحدّث النازحون، في هذا الإطار، عن مشاهد صادمة على طرقات النزوح، من بينها جثث موزّعة في العراء بلا دفن، علماً أنّها تعود إلى سودانيين مدنيين قُتلوا بالرصاص أو قضوا بسبب العطش والجوع.
إبراهيم خاطر من نازحي الفاشر وقد تمكّن من الوصول إلى أم درمان، إحدى مدن ولاية الخرطوم. ويصف ما ارتُكب بحقّ الفارين عند الحواجز الأمنية بـ"المأساة"، شارحاً أنّ "استغلالاً في غاية السوء طاول آلاف المدنيين". ويخبر خاطر "العربي الجديد" أنّ رحلة نزوحه استمرّت عشرة أيام، مشيراً إلى "مشاهد بشعة على الطريق. بالإضافة إلى جثث النساء والرجال الموزّعة على طول الطريق ما بين الفاشر ومليط (الواقعة كذلك في ولاية شمال دارفور)، كان جرحى مصابون بطلقات نارية وأشخاص مرضى ينازعون وهم مطروحون أرضاً، فيما يعجز النازحون الآخرون عن مساعدتهم، إذ لا يملكون القدرة على ذلك، وبالتالي يضطرون إلى تركهم يواجهون مصيرهم".
ويصف النازحون الخروج من الفاشر بأنّه "مغامرة"، فهذه المدينة طُوّقت بنحو 31 كيلومتراً من السواتر الترابية العالية، ونصبت عليها المدافع والأسلحة الرشاشة، وعُزّزت بالمقاتلين، ومن ثم يصعب تجاوز كلّ ذلك من دون الخضوع لتفتيش مذلّ والتجريد من المقتنيات والضرب بالسياط والاعتقال من قبل المسلحين، فيما يلقى العشرات حتفهم بعد إطلاق الرصاص عليهم.

ناجية من مجازر الفاشر نزحت إلى الدبة في ولاية شمال دارفور - غرب السودان - 1 نوفمبر 2025 (الأناضول)
نزوح من الفاشر إلى طويلة، ولاية شمال دارفور، غربي السودان، 3 نوفمبر 2025 (فرانس برس)

ويلفت خاطر إلى أنّ "الرحلة التي كانت تستغرق قبل الحرب ساعات معدودة، صارت تتطلّب أياماً عدّة، وذلك لأنّ النازحين يضطرون إلى اجتياز المسافة سيراً على الأقدام، لمدّة يومَين على أقل تقدير، قبل الوصول إلى القرى حيث تتوفّر وسائل نقل يقودها مسلّحون يجبرون النازحين على الركوب تحت تهديد السلاح، ويلزمونهم بدفع بدلات نقل مضاعفة أكثر من عشر مرّات تحت طائلة التعرّض للتنكيل والانتهاكات البشعة".
بدورها، تقول كوثر آدم وهي أمّ لستة أبناء، أكبرهم قُتل في الفاشر في أثناء الحصار، لـ"العربي الجديد" إنّ كثيرين من الفارين من المدينة يعانون من سوء تغذية إلى جانب حالات مرضية أخرى، فيما أُصيب آخرون بالقذائف أو الرصاص. تضيف: "وفي غياب وسائل النقل بمحيط الفاشر، يضطر النازحون، من بينهم نساء وأطفال، إلى السير على الأقدام لمسافات طويلة، يعانون في خلالها من الجوع والعطش والإنهاك، علماً أنّ ثمّة من يقضي في الطريق".
وتتابع النازحة السودانية، التي وصلت إلى مدينة طويلة بعد ثلاثة أيام من سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أنّ "على الرغم من أنّ النازحين يقطعون مسافات طويلة  للنجاة بأرواحهم، وهم في أسوأ حالاتهم الصحية، الجسدية والنفسية، فإنّهم يُجابَهون بتعامل غير إنساني من قبل سائقي مركبات النقل العام الموالين لقوات الدعم السريع". وتؤكد أنّهم "يُجبَرون على أضعاف قيمة بدل النقل، تحت تهديد السلاح، ومن لا يملك المال يؤخَذ رهينة إلى حين التواصل مع أسرته وسداد المبلغ المطلوب من قبل من عمد إلى خطفه".
من جهته، يؤكد هارون أحمد، الذي وصل إلى مدينة الدبّة أخيراً، أنّ النازحين يتعرّضون للابتزاز في كلّ الحواجز الأمنية التي يعبرونها في أثناء فرارهم من الفاشر. يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "قيمة تذكرة النقل من قرية طرّة التي تبعد عن الفاشر نحو 40 كيلومتراً إلى مدينة مليط لا تزيد عن 35 ألف جنيه سوداني عبر النقل بالمركبات غير التابعة لمناصري قوات الدعم السريع، بيد أنّ ثمّة مسلّحين يجبرون النازحين على استخدام مركباتهم وعند الوصول إلى وجهاتهم المحدّدة يطلبون منهم دفع 500 ألف جنيه. وفي حال عدم دفعها، يؤخَذون رهائن إلى حين سداد المبلغ المطلوب".
وفي رحلات نزوحهم، يعاني السودانيون الهاربون من الفاشر  صعوبة الحصول على الغذاء، وتتقطّع السبل بكثيرين يجدون أنفسهم غير قادرين على تحمّل تكاليف الطريق. ويقول إسماعيل عبد الله الذي وصل إلى أم درمان من الفاشر لـ"العربي الجديد" إنّ "النازحين يعتمدون، في طريقهم إلى أم درمان، على الطعام الذي يقدّمه لهم سكان المناطق التي يعبرونها". ويشير إلى أنّ "مدخراتنا القليلة استولى عليها عناصر قوات الدعم السريع عند الحواجز الأمنية. وقد اضطررنا إلى ملازمة أماكننا، مرّات عدّة لفترات طويلة، في انتظار أن يتفضّل علينا سائقو شاحنات وينقلونا من دون مقابل إلى وجهتنا إذ لا نملك المال، الذي إمّا نُهب وإمّا نفد".

نازحون من الفاشر في مخيم في الدبّة - ولاية شمال دارفور - غربي السودان - 9 نوفمبر 2025 (الأناضول)
نازحون سودانيون من الفاشر في أحد مخيمات الدبّة، ولاية شمال دارفور، غربي السودان، 9 نوفمبر 2025 (الأناضول)

ويعاني أطفال الفاشر في طرقات النزوح، لعجزهم عن السير لمسافات طويلة، فيما هم يعانون الجوع وسوء التغذية. وتقول حليمة عيسى التي وصلت إلى مدينة طويلة لـ"العربي الجديد" إنّ "في أكثر من منطقة، اضطررنا إلى استئجار عربة يجرّها حمار بمبالغ كبيرة، لاجتياز مسافات قصيرة، إذ لا تتوفّر مواصلات، وكثيرون هم الأطفال الذين لا يستطيعون السير على أقدامهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النساء".
وتذكر عيسى المشاهد المفزعة عند الحواجز الأمنية على طريق النزوح من الفاشر، وتبيّن أنّ عناصر قوات الدعم السريع الذين يسيطرون على الحواجز يعمدون إلى التفتيش عن مقتنيات قيّمة بين ما يحمله النازحون، فيبعثرون الأغراض وقد رموها أرضاً، ثمّ يجبرون أصحابها على تركها في مكانها. ومن يقاوم إمّا يُقتَل وإمّا يُعتقَل". وتتابع  أنّ "من الممكن للمسلحين أن يأخذوا منك الحذاء الذي تنتعله، والملابس التي ترتديها. وقد شاهدتُ نازحين وهم يسيرون حفاة الأقدام بعد الاستيلاء على أحذيتهم".
في سياق متصل، تلفت النازحة السودانية عالية عبد الله التي وصلت من الفاشر إلى مدينة طويلة أخيراً لـ"العربي الجديد" إنّ "ثمّة مسلّحين يلقون القبض على نازحين ويطالبونهم بمبالغ مالية، تصل في بعض الأحيان إلى 100 مليون جنيه. وفي حال تأخّرت أسر هؤلاء في دفع الفدية، يقتلونهم". وتلفت المرأة إلى أنّ "أكثر الفئات المعرّضة للاعتقال وطلب الفدية هم الشبّان والنساء".

ويتّفق النازحون الذين التقتهم "العربي الجديد" على أنّ جثث القتلى تتوزّع في مناطق شاسعة، وتنتشر على الطرقات التي يسلكونها بعد خروجهم من الفاشر. وتقول سيدة عبد الرحمن التي وصلت إلى طويلة لـ"العربي الجديد": "رأيت جثثاً كثيرة على الطريق من الفاشر إلى قريتَي الهشابة وقرني وبين قرني وطرّة". تضيف المرأة، التي وصلت إلى طويلة بعد سقوط الفاشر: "يتحدّث الناس عن جثث كثيرة في العراء على الطريق نحو مليط. هؤلاء قضوا إمّا جوعاً وإمّا عطشاً، وإمّا لأنّهم خرجوا من الفاشر وهم مرضى أو مصابون، وإمّا قُتلوا بالرصاص". وتلفت إلى أنّ "المسلّحين يعمدون كذلك إلى إطلاق النار على أرجل المواطنين، ثمّ يتركونهم يموتون عطشاً".
تجدر الإشارة إلى أنّ في حين استُقبل النازحون في الدبّة وطويلة في مخيّمات مؤقتة، تُرك الذين وصلوا إلى أم درمان لتدبّر أمورهم على طريقتهم. هذا ما تشير إليه سامية عبد النبي التي نزحت بدورها من الفاشر. وتخبر "العربي الجديد" أنّها لجأت مع أفراد عائلتها إلى معارفهم في أم درمان، إذ لم تقم السلطات أيّ مخيمات للنازحين في ولاية الخرطوم.

المساهمون