"سدرة مبتدانا"

05 يناير 2021
الصورة
شجرة لها رمزيتها وقدسيتها (Getty)
+ الخط -

لم يكن من السهل الدخول، أو حتى الاقتراب من ذلك المكان المقدس والمخيف؛ عيسى الطالب... تلك الغُويبة الكثيفة من أشجار السِّدِر متشابكة الأغصان، على بعد أقل من كيلومتر من مجرى النيل قبالة قريتنا العريقة في السودان. تقف شامخة بين المزارع كأنّها حارس لقرية الظلال جنوبها، تلك التي تُسمى: الحلة أم دوم، ببيوتها الفقيرة تحت أشجار النخيل والدوم والسنط والعرديب، وبعض السدر، فتُشكلان معاً نظاماً بيئياً فريداً.
حظيت غُويبة عيسى الطالب بقدسية أدركنا لاحقاً أنّها تعود لذلك الراهب الذي كان يتعبد بين أشجارها، ويقتات من ثمارها، ويصنع من فروعها المتساقطة ألواحاً لطلاب العلم الديني الفقراء (الشرافات). كان أهلنا يرونه حين قدومه، أو حين يرد الماء، أو يحمل ألواحه راحلاً، يختفي لشهور ثم لا يلبث أن يعود، فيفرح لعودته المزارعون والسكان البسطاء ويتبركون بوجوده، معتقدين أنّه يبسط تلك البركة في حياتهم.
نُسجت كثير من الحكايات حول تلك الغابة الصغيرة وقاطنها الغريب، وثمارها التي لا تشبه "نبق" سدر النواحي. نبتدع لأنواعه العديدة من الأسماء بقدر ما تسعفنا ذائقتنا وخيالنا الطفل؛ "تفاح" و"حمُّرية" و"ريّاق" وشطّاوي" ونشتهي كلّ الأصناف، ونستمتع بروائحها الشهية، ونكابد أشواكها الحادة المعقوفة "أبو حجينة" حين نتوغل، ونخاف الظهور المفاجئ لتلك الثعابين الخائفة من حركتنا، ونذهب بخيالاتنا إلى أنّها هي روح عيسى الطالب ذاك، بعد اختفائه حين شببنا، واستطعنا دخول مغارته.
لعلّ ما جعل من ثمار تلك الغابة أشهى من سواها، هو منعنا، وحمايتها من أغنامنا، وترك أشجارها تنمو كما تشاء على مرّ السنين، من دون أن يجرؤ أحد على قطع شجرة واحدة. في ما بعد، ظهر من يدّعي ملكية الأرض معلناً أنّه في حِلّ من التزام أسلافه بتركها لذلك الراهب، وقد اختفى لسنوات طويلة، فقام بقطع أشجارها وزرع مساحتها، مثلما رحل سكان قرية الظلال شمالاً، وتركوها نهباً لفؤوس المحتطبين، وأطماع مزارعي المحاصيل النقدية.
شغلتنا الأسئلة حين كبرنا حول شجرة السدر، من قبيل: هل من علاقة بين ذلك المتعبّد عيسى، ورمزية السدر لدى المسيحيين ممن يعتقدون أنّ الإكليل الذي تُوّّج به السيد المسيح قبل صلبه صنع من هذه الشجرة؟ وهل هي بهذه الدرجة من القداسة لدى المسلمين إذ يعتبرونها من أشجار الجنة؟ كذلك، يعتقد فيها أهل الطب الشعبي فيصفون أدوية تستخلص من ثمارها ومن أوراقها ولحائها لعلاج الحصبة، وقرحة المعدة، والإسهالات، ولتضميد الخُرّاجات، ويذهب البعض في أماكن انتشارها في غرب وشمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى استخدام عصارة أوراقها لمكافحة السرطان لاحتوائها على مضادات الأكسدة التي تقضي على الخلايا السرطانية، وتقوم بتكسيرها.

موقف
التحديثات الحية

كانت غويبة عيسى الطالب، قبل أن تطاولها أسلحة الأطماع هي سدرة مبتدانا، لما فيها من منتهى الغموض والسحر، ثم أصبحت مجرد حكاية تدلّ على استراتيجيات الأسلاف في الحفاظ على الموارد الطبيعية، والتنوع البيولوجي حولهم، ثم جاء خَلَفهم ليركل كلّ شيء، ولا يقيم وزناً للقداسة، ولا للحفاظ على البيئة.
(متخصص في شؤون البيئة)

المساهمون