استمع إلى الملخص
- تتجلى هذه المعاناة في قصص مثل وفاة ريم العلي بسبب أزمة ربو، مما يعكس نقص المنشآت الطبية والإسعاف، حيث تتحول الأزمات الصحية القابلة للعلاج إلى وفيات.
- تواجه الجهود لتحسين الوضع الصحي تحديات مثل نقص التمويل والدعم، رغم محاولات وزارة الصحة لإنشاء عيادات متنقلة ومراكز جديدة.
يتحوّل اليوم العادي لسكان ريف إدلب الجنوبي والشرقي في سورية إلى سباق مع الموت؛ بسبب هشاشة الرعاية الصحية التي قد تُفقد بالكامل حظوظ البقاء على قيد الحياة في حال مواجهة وضع دقيق أو معقد.
يشهد ريف إدلب الجنوبي والشرقي واقعاً صحياً متدهوراً لم يعد فيه المرض حالةً عابرة، بل تحوّل إلى معركة يومية مع المسافات البعيدة عن المراكز الصحية، وضعف الخدمات الطبية في منطقة أنهكتها الحرب، وتركت قطاعها الصحي شبه خالٍ من المنشآت القادرة على تقديم الرعاية.
ويشكل الفراغ الطبي المرتبط بنقص تجهيزات المستشفيات والمراكز الصحية خطراً دائماً على حياة السكان الذين يواجهون مشكلات الاضطرار إلى قطع مسافات طويلة للحصول على رعاية، والتي قد تفوق قدراتهم الجسدية والمالية، خصوصاً أن الطرقات الترابية تتحوّل في الشتاء تحديداً إلى مسالك موحلة تعيق الوصول، وتزيد احتمالات تدهور حالة المرضى أو وفاتهم قبل بلوغ أي نقطة إسعاف. ويجعل ذلك أمراضاً شائعة، مثل الحمى وكسور الأطفال وحالات التسمم، من أسباب فقدان الأرواح.
قادت أزمة الربو التي اعتادت أن تتعامل معها في المنزل الشابة ريم العلي (34 عاماً) إلى نهاية مأساوية، بسبب غياب أبسط الخدمات الطبية في ريف إدلب، تقول شقيقتها لـ"العربي الجديد": "عانت أختي من مرض الربو حين كانت في منزلها ببلدة الفطيرة جنوب إدلب، ثم تطوّرت حالتها إلى ضيق حاد في التنفس مع سعال متواصل وتعرّق شديد ظهر فجأة وعلى نحو غير مسبوق، فحاولت العائلة التعامل مع الوضع باستخدام وسائل منزلية اعتيادية، لكنها أدركت بسرعة ضرورة حصول تدخل طبي عاجل، فاتصلت بسيارة الإسعاف الوحيدة الموجودة في البلدة لكن من دون نتيجة؛ لأن أي سيارة لم تتوفر في البلدة، ثم عثرت بعد أكثر من ساعتين على سائق خاص نقل ريم إلى المستشفى بكلفة مرتفعة جداً، وكان ذلك الخيار الوحيد لمحاولة إنقاذ حياتها".
تتابع: "كانت الرحلة طويلة جداً إلى أقرب مستشفى يبعد مسافة نحو 25 كيلومتراً، وزادت الطرقات الترابية الوعرة صعوبة الوصول، فتدهورت حالة شقيقتي على الطريق، وبدأت تفقد وعيها مع زيادة صعوبة التنفس، ما أثار ذعر الجميع في السيارة. وحين وصولنا أخيراً إلى غرفة الطوارئ في مستشفى أريحا المركزي، حاول الأطباء التدخل لإنقاذها، لكن أزمة الصعوبة الكبيرة في التنفس كانت تجاوزت مرحلة الإنقاذ، ولو وصلنا قبل دقائق قليلة، ربما لكان اختلف الأمر، لكن الوقت كان أقصر من أي تدخل ممكن".
وتلفت إلى أن قصة ريم ليست منفردة، بل تعكس معاناة واسعة يواجهها سكان ريف إدلب الجنوبي مع الأمراض المزمنة، خاصة في ظل نقص المنشآت الطبية والإسعاف، إذ تتحوّل أزمات صحية يمكن السيطرة عليها إلى وفيات نتيجة المسافات البعيدة، وصعوبة النقل وضعف البنى التحتية.
كذلك يتحدث حمود خشان، الذي يسكن في بلدة معرة شمشة جنوب شرقي إدلب، عن حجم المعاناة اليومية في ريف إدلب الجنوبي، ويقول لـ"العربي الجديد": "نعيش في فراغ طبي كامل، أي مرض طارئ يجعلنا في سباق مع الموت، فبلدتنا ومعظم تلك المجاورة لم يعد فيها أي مركز طبي فعّال، وأغلقت أخيراً بعض النقاط التي كانت تقدم خدمات إسعاف أولية بسبب نقص التمويل أو مغادرة الكوادر، وما تبقى لا يتعدى مجرد مبانٍ مهجورة كانت تستخدم مستوصفات، جدرانها عارية وأسقفها متصدعة وعياداتها بلا أجهزة، في مناطق يقطنها حالياً عشرات آلاف السكان والأهالي الذين عادوا من المخيمات، في حين تبعد أقرب نقطة طبية مسافة تتجاوز 35 كيلومتراً، ما يتطلب رحلة قد تصل مدتها إلى 40 دقيقة باستخدام سيارة خاصة". يضيف: "فقدت والدي قبل أشهر إثر إصابته بنوبة قلبية وعدم تلقيه أي مساعدة في اللحظات الحرجة، وهو توفي قبل أن يصل إلى المستشفى".
كذلك يُخبر مصطفى العبسي، أحد سكان بلدة حزارين جنوب إدلب، عن اللحظات الحرجة التي عاشها ابنه جابر حين صارع الموت في انتظار الوصول إلى المستشفى الذي كان الأمل الوحيد لإنقاذ حياته، ويقول لـ"العربي الجديد": "خلال نقل ابني كان ينام بين يدي كل خمس دقائق، ثم يصحو مرتبكاً، وكنت أضغط على صدره وأرش الماء على وجهه كي لا يغيب عن الوعي. لم يعانِ ابني من أي مشكلة صحية سابقة، لكنه أصيب فجأة بحمى مرتفعة وقيء مستمر خلال إحدى الليالي، وفشلت كل محاولات العائلة لمعالجته في المنزل بالوسائل التقليدية، ما دفعني إلى البحث عن وسيلة عاجلة لنقله إلى أقرب مستشفى، ثم عثرت على سائق خاص بعد ساعات حين تفاقمت حالة ابني، واستغرقت الرحلة إلى مستشفى إدلب المركزي الذي يبعد نحو عشرة كيلومترات ساعة ونصف الساعة بسبب سوء الطريق والبنى التحتية الذي زاد المخاطر على حياة ابني، وحين وصل إلى قسم الطوارئ كان يعاني من جفاف حاد واضطراب خطير في الأملاح، ما استدعى تدخلاً عاجلاً من الفريق الطبي الذي نفذ فوراً سلسلة إجراءات للإنعاش وتعويض السوائل والأملاح الحيوية. وفي النهاية، أسفرت جهود الأطباء عن استقرار حالته تدريجياً بعد ساعات من الرعاية الكثيفة. وصوله المتأخر إلى المستشفى كاد يُفقد ابني حياته بحسب ما أخبرني الأطباء، ما يعكس هشاشة البنى الصحية في المنطقة، وضرورة توفير الإسعاف الفوري والخدمات الطبية الأساسية لكل طفل ومريض".
ولا يواجه سكان ريف إدلب الجنوبي صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية بسبب المسافة البعيدة فقط، إذ يضاف إليها الأعباء الاقتصادية؛ إذ إنّ تكلفة الانتقال إلى المستشفى قبل احتساب مصاريف العلاج تتراوح بين 500 و1000 ليرة تركية (قرابة 12 - 24 دولاراً)، بحسب المسافة ونوع السيارة والظروف المناخية، ما يجعلها عبئاً ثقيلاً على العائلات التي تعتمد على الزراعة أو العمل اليومي بأجور منخفضة، ما يؤدي إلى تأجيل مراجعة الطبيب لدى كثيرين، وبالتالي خطورة الحالات الصحية، ويجعل التدخل الطبي أكثر صعوبة عند الحاجة".
ويقول الدكتور إبراهيم الويس، رئيس دائرة المنشآت الصحية في وزارة الصحة، لـ"العربي الجديد"، عن الواقع الصحي في ريف إدلب الجنوبي: "هناك نقص حاد في الخدمات الصحية نتيجة تدمير المستشفيات والمراكز الطبية خلال سنوات النزاع، وشهدت المنطقة أخيراً افتتاح مركزين طبيين في مدينتَي معرة النعمان وخان شيخون وخمسة مستوصفات تعمل تطوعياً، في حين بلغ عدد المنشآت التي خرجت عن الخدمة نتيجة القصف نحو 50 مستشفى ومركزاً صحياً". يتابع: "يفاقم الوضع الصحي في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي معاناة المرضى، خصوصاً أولئك الذين يحتاجون إلى متابعة دورية وإجراء تحاليل، ومعظم المرضى الفقراء باتوا لا يستطيعون الحصول على العلاج الكافي، في حين كانوا يعتمدون سابقاً على أدوية مجانية".
ويتحدث الويس عن جهود وزارة الصحة في مواجهة الأزمة، ويشير إلى أن "الطوارئ تتضمن حالياً عيادات متنقلة، مع إمكانية إنشاء نقاط طبية إضافية، لكن المستشفيات الميدانية غير جاهزة بسبب نقص المباني المناسبة". وعن التحديات التي تواجه الكوادر الطبية، يؤكد الويس غياب الدعم المالي، إذ إنّ "العمل في الريف الجنوبي تطوعي بالكامل ومن دون رواتب، والكثير من الكوادر التي تقيم في إدلب تتحمل نفقات النقل والعمل من جيوبها الخاصة".
ويلفت الويس إلى أنّ "هناك نقصاً واضحاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، ولا سيّما الخاصة بالأورام، والأدوية النوعية للأمراض المزمنة مثل التصلب اللويحي والأمراض العصبية، فضلاً عن مستلزمات غسل الكلى. وقد تواصلت الوزارة مع المنظمات الدولية والأمم المتحدة لعرض احتياجات المنطقة، من بينها تجهيز المستوصفات التي ترمّم حالياً، وإمكانية توفير مستشفيات متنقلة تخدم أهالي المنطقة".
وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد"، أكد مدير صحة إدلب، الدكتور سامر عرابي، أن المديرية تعمل لمعالجة الوضع ضمن الإمكانيات المتاحة، ووُضعت خطة لرفد القطاع بأجهزة تصوير جديدة وتبديل القديم في الفترة المقبلة، وتحسين القدرة التشخيصية من أولويات القطاع الصحي في إدلب". وحتى تنفيذ هذه الخطة، يواصل آلاف المرضى في إدلب الوقوف ضمن قوائم الانتظار الطويلة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى مضاعفات صحية إضافية، فيما تبقى الأجهزة المتقدمة قليلة والاحتياجات الطبية أكبر بكثير من قدرة المرافق الصحية على الاستجابة.