رمضان قطر... مدفع وغبقة وموائد إفطار ومهرجانات تراثية

الدوحة

أسامة سعد الدين

أسامة سعد الدين
أسامة سعد الدين
صحافي سوري، مراسل "العربي الجديد" في قطر.
19 مارس 2025   |  آخر تحديث: 08:12 (توقيت القدس)
رمضان في الدوحة... طقوس خاصة وتقاليد احتفالية للأطفال
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يحافظ القطريون على تقليد "مدفع رمضان" الذي يُطلق يومياً لإعلان موعد الإفطار، ويجذب العائلات لالتقاط الصور. كما تُعتبر "الغبقة" تجمعاً اجتماعياً بعد صلاة التراويح لتناول الأطباق الشعبية وتعزيز الروابط الاجتماعية.

- يحتفل القطريون بليلة "القرنقعوه" في منتصف رمضان، حيث يطوف الأطفال بملابسهم التقليدية لجمع الحلوى، مما يشجعهم على مواصلة الصيام ويضفي طابعاً تراثياً مميزاً.

- تنظم قطر فعاليات رمضانية متنوعة مثل مهرجان "أكل أول 2025" وموائد إفطار جماعية، وتطلق مبادرات لدعم الإنتاج المحلي، مما يعكس روح الكرم والتكافل.

يحافظ القطريون على إرث رمضاني نقلوه عن آبائهم وأجدادهم، على رأسه "مدفع رمضان" الذي يطلق قذيفته مصدراً صوتاً مدوياً لتنبيه الناس في بيوتها أو مواقع وجودهم بموعد الإفطار، والذي كان في الماضي ينطلق كذلك عند الإمساك، قبل انتشار التيار الكهربائي، ووسائل الإعلام المختلفة، وغيرها من وسائل وأدوات تخبرهم بنهاية ساعات الصوم أو بداية يوم صيام جديد.

وبينما وضعت الكثير من الدول الإسلامية "مدفع رمضان" في المتاحف لتعريف الأجيال بدوره الكبير، لا يزال المدفع يمارس دوره يومياً في قطر، فيُنصب قبيل الغروب في أكثر من موقع بالعاصمة الدوحة ومدن مثل لوسيل والخور( شمال) والوكرة (جنوب)، وتستقطب هذه المواقع قبيل أذان المغرب يومياً عشرات الأسر من المواطنين والمقيمين، والذين يصطحبون أطفالهم لالتقاط الصور التذكارية مع المدفع، في مشهد يتكرر سنوياً في شهر رمضان.

ويرى الباحث في التراث والتاريخ القطري، عبد العزيز البوهاشم السيد، أن "مدفع رمضان لم يكن مجرد وسيلة تقليدية لإعلان وقت الإفطار، بل هو جزء من الذاكرة والهوية، فهذا التقليد يعد أحد أهم مظاهر الاحتفاء بالشهر الفضيل في قطر، وأصبح جزءاً من الفعاليات الرمضانية التي تجمع العائلات والأطفال والسياح الذين يحرصون على مشاهدته وتوثيقه".

وتختلف الروايات حول نشأة تقليد مدفع رمضان في العالم الإسلامي، وتذكر إحداها أن السلطان المملوكي خشقدم (1460- 1467) كان يجرب مدفعاً جديداً، وتصادف إطلاقه مع وقت غروب الشمس في أول أيام رمضان عام 865 هجرية 1467 ميلادية في القاهرة، ويقال إن السلطان أعجب بالفكرة، فأمر باعتماد إطلاق المدفع يومياً عند أذان المغرب طوال شهر رمضان.

ومن العادات الرمضانية الأصيلة في قطر، عادة الغبقة، وهي مائدة تقام عقب صلاة التراويح، وقبل وقت السحور، ليجتمع فيها الأهل والأصدقاء في المجالس والمنازل. وبحسب الكاتب والباحث في التراث الشعبي، صالح غريب، تعد الغبقة من العادات القديمة المنتشرة بين أهل قطر، والذين كانوا يجتمعون خلالها لتناول الطعام وتبادل الأخبار بعد يوم طويل من الصيام والعمل، وأصبحت في الوقت الحالي تتميز بأجواء احتفالية، مع تزين الأماكن لإضفاء طابع رمضاني عليها، ويتخللها تبادل الأحاديث والذكريات، إضافة إلى استحضار العادات القديمة.

عائلة قطرية في سوق واقف، 12 مارس 2025 (حسين بيضون)
عائلات قطرية في سوق واقف، 12 مارس 2025 (حسين بيضون)

والأكلات الشعبية أيضاً جزء لا يتجزأ من الغبقة، والتي تحفل موائدها بأصناف متنوعة تشمل الأطباق المحلية مثل "الهريس" وهو وجبة من القمح المغلي المهروس أو المطحون المخلوط باللحم، و"الثريد" وهو خبز الرقاق المشبع بالمرق مع اللحم أو الدجاج، والحلوى الشعبية مثل "اللقيمات"، و"الساقو"، إلى جانب القهوة العربية وأصناف التمور.

وتطورت أشكال الغبقة، إذ لم تعد إقامتها قاصرة على البيوت، بل انتقلت إلى الفنادق والمطاعم الراقية، وتقدم خلالها مأكولات تتنوع بين تراث المطبخ القطري، والنكهات العالمية، لكنها تظل فرصة لتلاقي العائلات والأصدقاء. ويعتبر غريب أن "الغبقة مع هذه التطورات تظل تقليداً حياً يعكس روح رمضان المتمثلة في الكرم والتواصل الاجتماعي، وبينما تتغير أشكالها وأساليبها تبقى قيمها ثابتة، وهي تمثل فرصة لتعزيز الترابط الأسري والاجتماعي، ما يجعلها عادة رمضانية متجذرة في المجتمع القطري، والذي يحاول الحفاظ على جوهرها رغم التغيرات التي طرأت على طبيعتها مع مرور الزمن، لكنها تظل إرثاً ثقافياً وإنسانياً يرسخ قيم التواصل بين أبناء المجتمع، ويعزز روح التلاحم الاجتماعي الذي يميز شهر الصيام، الأمر الذي يكسبها ديمومة".

زينة رمضان في كتارا.12 مارس 2025 (حسين بيضون)
زينة رمضان في كتارا.12 مارس 2025 (حسين بيضون)

ويحتفل أهل قطر سنوياً بـ "القرنقعوه" في ليلة منتصف شهر رمضان، والذي يمثل تكريماً للأطفال الذين قطعوا منتصف الطريق، وصاموا أسبوعين من شهر رمضان، في تشجيع لهم على صيام النصف الثاني من الشهر. ووفق الطقوس المتوارثة، يطوف الأطفال على بيوت الفريج (الحيّ)، حاملين أكياساً من القماش أو الجلد، تسمى "الخريطة"، وهم يرددون أهازيج حماسية، ويطرقون الأبواب بغية ملء الأكياس التي يحملونها بمختلف أنواع الحلوى والمكسرات.

ويتزين الأطفال في ليلة "القرنقعوه" بالملابس التقليدية الشعبية ذات الطابع الخليجي، إذ يرتدي الذكور الثياب البيضاء الجديدة، ويعتمرون "القحفية"، وهي طاقية مطرزة، إضافة إلى "الصديري" المطرز، وهو رداء شعبي يلبس فوق الثوب ويتدلى حتى الخصر. أمّا الفتيات، فيرتدين فوق ملابسهن العادية "الثوب الزري" وهو ثوب يشعّ بالألوان ومطرز بخيوط ذهبية، ويضعن أيضاً "البخنق" لتغطية رؤوسهن، وهو قماش أسود تزينه خيوط ذهبية، إلى جانب وضع بعض الحليّ التقليدية.

وتشترك قطر مع العديد من الدول الإسلامية، في موائد إفطار الصائم، لتعزيز روح التضامن والتكافل، ونشر المحبة والمودة بين أفراد المجتمع، وتُنظم في العديد من المواقع، خصوصاً في المناطق التي يكثر فيها وجود العمال الوافدين، موائد إفطار تقيمها مؤسسات وأفراد، إلى جانب موائد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجمعية قطر الخيرية، للوصول إلى أكبر عدد من المستهدفين من العمال والعزاب وعابري السبيل.

احتفال أطفال قطر بالقرنقعوه في كتارا (العربي الجديد)
قضايا وناس
التحديثات الحية

وتنظم المؤسسات الثقافية والسياحية والمجمعات التجارية الكبرى فعاليات رمضانية متنوعة، ويستضيف ميناء الدوحة القديم مهرجان "أكل أول 2025"، والذي يشهد أجواء نابضة بالحياة تعيد إحياء الأسواق القديمة من خلال مبادرة "الدكان" الذي يحيي النكهات القطرية القديمة، ويمكن الزوار من تذوق المأكولات والحلويات الشعبية، ويقدم المهرجان عروضاً موسيقية حية تتضمن أغاني وأهازيج تقليدية كانت تُغنى في المجالس وأثناء تحضير الطعام.

كما تقدم فعاليات رمضانية في "حوش مشيرب"، مستوحاة من أجواء البيوت التراثية القطرية، ويقدم "سوق تربة" في المدينة التعليمية، مجموعة من الحرف اليدوية، والمأكولات التراثية، والحلويات المحلية، كما يستضيف البازار الرمضاني الثالث في جزيرة اللؤلؤة مجموعة متنوعة من الأكشاك التي تقدم الأطعمة والحرف اليدوية، ويمنح معرض رمضان والعيد للتسوق في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، خيارات متنوعة وعروض تسوق حصرية.

وأطلقت وزارة التجارة والصناعة القطرية المبادرة الوطنية لتشجيع الإنتاج المحلي ودعم اللحوم الحمراء، والتي تستمر طوال شهر رمضان، وتتولى شركة ودام الغذائية توفير الأغنام المحلية والمستوردة، وبيعها للمواطنين بأسعار مدعومة، كما أطلقت الوزارة مبادرة شملت تخفيض أسعار 1000 سلعة بالتنسيق مع كبرى منافذ البيع، تستمر حتى نهاية شهر رمضان، في إطار الحرص على تخفيف الأعباء المعيشية عن أفراد المجتمع.