رمضان غزة... منكوبون بلا إمكانيات ولا مساعدات

19 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 15:17 (توقيت القدس)
زينة رمضانية بين خيام النزوح، مدينة غزة، 14 فبراير 2026 (فاضل المغاري/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يعاني سكان غزة من تداعيات الحرب التي دمرت البنية التحتية وأغلقت المعابر، مما أثر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في رمضان، حيث يواجهون صعوبات في توفير المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

- الحرب أدت إلى نقص البضائع وارتفاع الأسعار، مما أثر على القدرة الشرائية للسكان وأجبرهم على إعادة ترتيب أولوياتهم وتقليل كميات الوجبات.

- الضغوط النفسية والاجتماعية تتزايد بسبب فقدان المنازل والنزوح، مع غياب الأجواء الرمضانية المعتادة، وتفاقم أزمة الكهرباء يزيد من تعقيد التحضيرات الرمضانية.

تجعل تداعيات الحرب شهر رمضان في قطاع غزة اختباراً للصبر بدل أن يكون مناسبة للفرح، ورغم الصعوبات، يحاول الناس التكافل، والتمسّك بالأمل.

لا يبدو قطاع غزة في شهر رمضان، كما اعتاد الناس أن يكون، ففي السنوات التي سبقت العدوان، كان حلول شهر الصوم يترافق مع حركة نشطة في الأسواق، وبهجة في الشوارع، وزينة تملأ الشوارع والحارات، ومائدة إفطار غنية بالحب والطقوس المتوارثة. بينما في هذا العام، كما كان في سابقَيه، يبدو الواقع مختلفاً نتيجة الأزمات المتراكمة. ورغم تداعيات الحرب الكارثية التي تشمل تدمير البنية التحتية، وفقدان مصادر الدخل، وإغلاق المعابر، يحاول كثيرون الحفاظ على جوهر رمضان المتمثل في الصبر والتكافل، ما يجعل التحضير للشهر عبئاً إضافياً على كاهل الأسر، ويجعل الأسواق والساحات العامة فارغة.
ويشير أصحاب المحالّ إلى أن القدرة على تخزين البضائع ضعيفة، وأنهم مضطرون إلى بيع ما يصل إليهم من دون توفير خيارات كافية للمستهلك، وبينما كميات البضائع محدودة، يشتري المستهلكون أقل قدر ممكن، وأحياناً يلجؤون إلى تأجيل الشراء.
ويخلق نقص المعروض شعوراً بالحرمان والضغوط النفسية، فالفلسطينيون الذين كانوا يشترون بعض السلع بكميات أكبر استعداداً للشهر، ويخزنون المؤونة قبل حلول الشهر بفترة كافية، يجدون أنفسهم حالياً محاصرين بواقع معيشي مرهق يفرض عليهم إعادة ترتيب ميزانيتهم لتغطية الضروريات، وغالباً ما يتم التضحية ببعض التفاصيل والطقوس المعتادة.
يدير الفلسطيني سعيد الشيخ خليل بسطة لبيع الخضروات في وسط مدينة غزة، منذ خسر محلّه التجاري الذي اعتاد تجهيزَه على نحوٍ مختلف استعداداً لشهر رمضان، ويقول لـ"العربي الجديد": "رمضان موسم مهم عادة، لكن الوضع مختلف تماماً، فالبضائع تدخل بكميات قليلة، وما زالت أسعارها مرتفعة بسبب عدم انتظام دخول الأصناف والكميات اللازمة، كما أن التأثيرات القاسية للحرب واضحة على القدرة الشرائية للناس، ونحاول البيع بهامش ربح بسيط مراعاة للضائقة المالية التي يمرّ فيها الجميع، إلى جانب أزمة عدم القدرة على التخزين".

المواد الغذائية المتوفرة شحيحة، مدينة غزة، 14 فبراير 2026 (سعيد جرس/الأناضول)
المواد الغذائية المتوفرة شحيحة، مدينة غزة، 14 فبراير 2026 (سعيد جرس/الأناضول)

على مستوى الأسر، يضاف إلى صعوبة توفير المواد الغذائية أعباء مالية ونفسية، فالتحضير لشهر الصوم يعني مصاريف إضافية لشراء المواد الغذائية والتجهيزات المنزلية، إلى جانب التزامات اجتماعية مثل تقديم وجبات للضيوف، أو شراء هدايا للأطفال. وفي الظروف الحالية، ومع فقدان آلاف العائلات لمصادر دخلها، واستمرار النزوح، واستنزاف المدخرات، أصبح شهر رمضان اختباراً للصبر والتحمل.
نزح الفلسطيني سامي نويجع من حي الشيخ رضوان بعد تدمير منزله، ويقول: "كل شيء صعب، فالأسواق شبه خاوية، والمواد الغذائية محدودة، والأسعار مرتفعة الثمن. قبل الحرب، كنّا نجهز لرمضان بكل حب، من زينة مدخل البيت، إلى مستلزمات المائدة، والفوانيس وأحبال الزينة والإضاءة التي كانت جزءاً من روح رمضان اختفت، ما جعل إحساس البهجة بالغ الصعوبة. فبتنا نحسب المصروف بكل تفاصيله، ونشتري أقل قدر ممكن، ما يشعرنا بأن الشهر يضيع علينا قبل أن يبدأ".
وأعادت الكثير من العائلات ترتيب أولوياتها بحذر، فالبعض يفكر في تقليل كميات الوجبات، أو تعديلها بما يتناسب مع المتاح، وآخرون ينسحبون من أي التزام اجتماعي مكتفين بالحد الأدنى من التحضير، ما يجعل رمضان مناسبة صعبة، بدل أن يكون مناسبة للفرح والتواصل الأسري.

توزيع مواد غذائية بالمجان، خانيونس، 15 فبراير 2026 (هاني الشاعر/الأناضول)
توزيع مواد غذائية بالمجان، خانيونس، 15 فبراير 2026 (هاني الشاعر/الأناضول)

تستعرض أسمهان الصفدي التي تعيل أسرة مكونة من ستة أفراد العديد من الصعوبات المعيشية اليومية، مؤكدة أن اليوميات العادية مرهقة، بينما التحضير لشهر رمضان بات عبئاً كبيراً، وتقول لـ"العربي الجديد"، إنها مضطرة لحساب كل المصاريف نتيجة عدم توفر مصدر دخل، وتخفيض كلفة كل شيء بدلاً من الفرح بأجواء رمضان، كما أن العيش في ظل محدودية الأصناف والإمكانيات وغلاء الأسعار مصدر إضافي للتعب، حتى إنّ الأطفال لاحظوا الفرق، وهم يسألون يومياً عن أسباب غياب الفوانيس والزينة.
وتعيش الصفدي في صراع كبير بين مواءمة المتطلبات الأساسية، وبين محاولة خلق أجواء تشعر العائلة ببهجة شهر الصوم، وتؤكد: "الأزمات تحاصرنا، ونحاول قدر استطاعتنا الحفاظ على روحانية للشهر، لكن الضغوط كبيرة، والهموم أثقل من كل عام، وقدرتنا على التحمل محدودة بعد سنتين من الحرب المدمرة".
ويبيّن الشاب الفلسطيني محمود صالح أنه أصبح غير قادر على توفير الاحتياجات اليومية لأسرته منذ خسارة عمله بسبب الحرب، وعمله في مهن مؤقتة غير مجدية، ما يجعل التجهيز لرمضان أمراً بالغ التعقيد، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنّ "المصاريف كبيرة بسبب تضاعف الالتزامات، ويبدأ اليوم العادي بشراء الماء الصالح للشرب مياه الاستخدام اليومي، وشحن الهواتف، وبطاريات الإضاءة، ثم شراء متطلبات وجبات الطعام البسيطة. حتّى إنّ الخروج للسوق صار مرهقاً، فالأسعار مرتفعة، والبضائع قليلة، والناس تتجنّب الشراء إلّا للضرورة".

وتشير النازحة فاطمة أبو سعدة إلى أنها انتقلت مع عائلتها إلى بيت مستأجر بعد تدمير الاحتلال بيتها خلال النزوح الأخير، ما أفقد عائلتها شغف تزيين البيت استعداداً لشهر رمضان، وتقول لـ"العربي الجديد": "البيت ضاع، ولا يوجد معنى لتزيين بيت لا نملكه. نعيش في مكان جديد بعيد عن حارتنا، وكل شيء مختلف، حتّى الجيران، لكن الأطفال مشتاقون للزينة والأنوار التي كانت ترافق الشهر، ولست قادرة على خلق تلك الأجواء، واهتمامي الأساسي هو توفير الاحتياجات الضرورية. نعيش صعوبات تأمين الأساسيات، ما يشعرنا أن التجهيز لرمضان، أو أي مناسبة، عبء وليس مناسبة للفرح، ومع ذلك نحاول قدر الإمكان تمييز هذه الأيام رغم صعوبتها".
وتفاقم أزمة انقطاع الكهرباء صعوبات مختلف جوانب التحضير لشهر رمضان في ظل اعتماد الناس على حلول بديلة مكلفة، ما يجعل من تحضير الطعام، وحفظ المواد الغذائية، وحتى أداء العبادات أموراً صعبة، فليالي رمضان التي كانت تمتد بالضوء وتمتلأ بالزيارات العائلية والاحتفالات الرمضانية، باتت محكومة بالعتمة، وبمحاولات التكيّف مع واقع يومي متقلب تتشابك فيه أزمات نقص المياه، وارتفاع أسعار الوقود، وغياب الخدمات الأساسية، مع تأخر الرواتب، وتوقف أو شحّ المساعدات الإنسانية.