رمضان الجزائر... تجهيزات أهلية ورسمية
- تلعب الجمعيات الأهلية والكشافة دوراً مهماً في التحضيرات الرمضانية من خلال تنظيف المساجد وتهيئتها، مما يعزز الوعي بأهمية الشهر الفضيل ويقوي الروابط الاجتماعية.
- تواجه العائلات تحديات اقتصادية بسبب الغلاء، مما يصعب الالتزام بالتقاليد، رغم الجهود الحكومية لتخفيف الأعباء عبر إنشاء أسواق شعبية.
تبدأ استعدادات رمضان في الجزائر قبل أسابيع من حلول الشهر الفضيل، إذ ينهمك البعض في تنظيف المساجد وتهيئتها، وتنشغل العائلات في اقتناء مستلزمات إعداد الوجبات، وتبدأ الجمعيات الخيرية التخطيط لعمليات دعم المحتاجين بعد أن تحصي الأسر التي تحتاج إلى إعانات.
ويمثل شهر رمضان محطة مهمة بالنسبة إلى الجمعيات الأهلية في الجزائر، إذا تبدأ الجمعيات والفعاليات الأهلية والخيرية في التخطيط مبكراً، وأطلقت جمعية الإرشاد والإصلاح، كبرى الجمعيات الخيرية في البلاد، حملة تضامنية لجمع التبرعات من أجل تجهيز "قفف رمضان"، وتوزيعها على العائلات المحتاجة والأرامل واليتامى، بينما أعلن الهلال الأحمر الجزائري تجهيز 250 ألف قفة إعانة لتوزيعها على العائلات المعوزة، كذلك يجري تجهيز عدد كبير من "مطاعم الإحسان" التي تتولى توزيع وجبات إفطار مجانية على الفقراء وعابري السبيل.
ومن بين المنهمكين في التحضير لشهر الصيام فتيان الكشافة، وهم في مدينة القليعة (50 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائر)، الذين ينشغلون بتنظيف مساجد المدينة وتهيئتها لاستقبال المصلين، وقد تكفل فتيان فوج الرضوان بتنظيف مسجد الإمام مالك، وتولى فتيان فوج النور تنظيف مسجد عقبة بن نافع، وباتت هذه المبادرة واحدة من العادات المترسخة في أغلب المدن الجزائرية.
ويؤكد القائد الكشفي حاج مهدي لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "هذه عادة نحييها سنوياً بعد التنسيق مع السلطات والمسؤولين عن المساجد، ونقوم بتنظيف كامل للمسجد وتزيينه وتهيئته وترتيب أغراضه قبل أيام من بدء رمضان، ونريد من هذه المبادرات أن يتعلم الفتية أهمية الشهر وخصوصيته مقارنة بباقي الشهور، وذلك في جزء من التنشئة".
بدورها، تبدأ العائلات الجزائرية استعداداتها السنوية بعدد من العادات المتوارثة، وأبرزها تنظيف المنازل وتزيينها استعداداً لاستقبال "سيدنا رمضان"، كما يطلق عليه شعبياً، وتعمل بعض الأسر في مناطق الشرق، كقسنطينة وميلة، على تغيير ديكور المنزل، أو إضافة سمات جديدة عليه، ما يساعد على خلق جو يحفز التركيز على العبادات، وتبرز أيضاً الاستعدادات للزيارات العائلية والسهرات الرمضانية.
وتقول الباحثة في علم الاجتماع بجامعة الجزائر، سليمة بوحراتي لـ"العربي الجديد"، إن "الاستعدادات جزء من تهيئة ذاتية وجماعية لأجواء للصيام، فتنظيف المنازل وتزيينها يعززان الإحساس بالحالة الروحانية التي تنسجم مع أفضال رمضان، والعديد من الأسر تحرص على تزيين البيوت بأشياء ذات صلة بالقيم الدينية، ومن ذلك شراء المصاحف وعباءات الصلاة، لتجديد العزيمة والنية، وبدء فصل جديد في حياة العائلات، فشهر الصيام يحمل رمزية عميقة تعكس الترابط الأسري والاجتماعي، حيث تتشارك الأسرة في التحضيرات وتتناقلها من جيل إلى جيل".
وتحتفظ العائلات الجزائرية بعادة متوارثة أخرى تتعلق بتجديد أواني الطبخ، التي تُعَدّ من اللوازم الضرورية للشهر الفضيل، رغم أن تغير الكثير من الظروف الاجتماعية والمعيشية لا يتيح للجميع التزام هذا التقليد نتيجة الغلاء الذي تشهده البلاد. تقول زهرة العرايبي، وهي موظفة في مؤسسة حكومية لـ"العربي الجديد": "رمضان مناسبة ذات طابع خاص، وتحمل عملية تجديد أواني الطبخ دلالات للتعبير عن الاحتفال بقدوم هذا الضيف الذي يهلّ مرة كل عام، وتُعَدّ من التقاليد الراسخة في معظم البيوت الجزائرية، ويعتبر كثيرون أن تجديد أواني الطهي والأغراض المستعملة في الأكل فأل خير".
ومن بين ما تحرص عليه العائلات، شراء التوابل المتنوعة، خصوصاً مع انتشار المحال الخاصة ببيع التوابل في السنوات الأخيرة، التي باتت تتنافس على جلب أجود الأنواع، وقبيل حلول شهر رمضان، قررت الحكومة إنشاء أسواق شعبية في كل البلدات، وشجعت شركات الإنتاج على فتح محال صغيرة تتيح البيع من المنتج إلى المستهلك مباشرة، ما يخفف الكلفة على المواطنين، خصوصاً بالنسبة إلى المواد التموينية الضرورية التي يتزايد استهلاكها في رمضان، كاللحوم والتمور والبيض والطحين، وتعد هذه خطوة ذات بعد اجتماعي ضمن خطط الدعم الحكومي غير المباشر لتعزيز القدرة الشرائية.
يقول الجزائري محمد شديد، وهو رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، لـ"العربي الجديد": "رغم هذه الإجراءات الحكومية، يبقى أن هناك غلاءً واضحاً هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية، وأصحاب الدخل المحدود يجدون صعوبة في اقتناء ما يلزمهم لشهر رمضان، خصوصاً بالنسبة إلى الخُضَر التي ترتفع أسعارها في بداية الشهر".