رمان تستور... رزق "الذهب الأحمر" لا ينضب في تونس

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:54 (توقيت القدس)
ورث سكان تستور ثمار الرمان من الأندلسيين، 7 أكتوبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تُعتبر تستور مركزاً رئيسياً لإنتاج الرمان في تونس، حيث يُعدّ الرمان مصدر رزق أساسي للسكان، ويُستخدم في مشاريع صغيرة مثل صناعة المربى والدبس والعصائر، مما يعزز الاقتصاد المحلي.
- موسم جني الرمان في تستور يُعدّ مناسبة احتفالية، حيث تُقام مهرجانات سنوية تحتفي بالإرث الأندلسي، وتنتج المنطقة حوالي 12 ألف طن سنوياً، مما يضع تونس ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في إنتاج الرمان.
- رغم عدم وجود مصانع، يبدع السكان في تخزين الرمان بطرق تقليدية تضمن توفره طوال العام، مما يساهم في إنتاج منتجات متنوعة ويعزز السياحة المحلية.

تعتبر تستور من بين أبرز مناطق إنتاج فاكهة الرمان في تونس. ولا ينحصر ذلك في موسم عابر، فهو رزق يُنعش الأرض والأرواح، لا تنضب منتجاته، من عصائر ومربى ودبس على مدار السنة.

تنحني النساء كما الأغصان المُثقلة بالعطاء في حقول الرمان ببلدة تستور في محافظة باجة التونسية. يلتقطن الثمار منذ انبلاج شمس النهار على مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل سنة. تتهادى أصواتهنّ بعذب الغناء ليتحوّل موسم الرمان إلى مناسبة للاحتفال، ففي كلّ حبّة رمان صبر السكان على قيظ دام أشهراً أنضج الثمار، وحلم بالرزق بعد الكدّ في الحقول للحفاظ على ثمار موروثة.

تقطف إحداهنّ برفق ثمرة ناضجة من الأغصان المتدلية بثقل ما أنتجته، بينما تمدّ أخرى ذراعها العالية لتبلغ غصناً أثقلته الحبات المتدلية كحُلي حمراء، وتمسح الثمرة بطرف المئزر ثم تضعها في صندوق يمتلئ شيئاً فشيئاً بضياء أحمر يشبه الفرح. إنه "الذهب الأحمر" الذي يتلألأ على امتداد آلاف الكيلومترات في حقول تستور التي تتحوّل إلى لوحات حمراء تختلط بخضرة ندية.

الصورة
صناديق رمان مرصوفة، 7 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
صناديق رمان مرصوفة، 7 أكتوبر 2025 (العربي الجديد)

من تستور، تقول رُقيّة حمادي لـ"العربي الجديد": "ننتظر موسم جني الرمان لأنّه أهم رزق في تستور، ويوفر عملاً لغالبية سكانها، وبالتالي مداخيل مهمة، لا سيما أنّ معظمهم يملكون حقول رمان ورثها بعضهم من أجدادهم، كما اختار البعض الاستثمار في القطاع الفلاحي، خصوصاً في غرس أشجار الرمان، لأنّ منطقتهم تتميّز بمناخ معتدل". تضيف: "ليست ثمار الرمان مورد رزق للفلاحين والتجار فقط، بل للعديد من سكان المنطقة الذين يستثمرون الثمار في مشاريع صغيرة، مثل صناعة مربى الرمان ودبسه، وحتى المثلجات والعصائر".

وعلى امتداد الطريق المؤدية إلى مدينة تستور يُرصف الرمان في صناديق، كأنّها كنوز عقيق تنعكس الشمس على قشورها السميكة، فتُشع بريقاً. ويتفنّن كل بائعٍ في طريقة عرضها لجلب الزبائن، فيمتزج الأحمر باللّون الأخضر الذي يُميّز باجة التي تعتبر أحد أكثر الأماكن خضرةً في تونس بسبب امتداد مساحات الغابات فيها.

وفي قلب مدينة تستور الأندلسية، وسط أكبر ساحاتها، يُحوّل موسم جني الرمان المنطقة إلى ساحة مهرجان، إذ تُعتبر هذه الثمار الإرث الأبرز للأندلسيين، وهي محور مهرجان سنوي في تستور حيث تزرع على مساحة 1450 هكتاراً، ما يجعل البلدة تنفرد بإنتاج نحو 12 ألف طن سنوياً من الرمان من إجمالي 70 ألف طن هي حصيلة الإنتاج التونسي.

وبحسب إحصاءات وزارة الفلاحة، تُعدّ تونس من بين الدول العشر الأولى في إنتاج الرمان عالمياً. ويقول عبد الرحمن حمدي، أحد منتجي الرمان في تستور، لـ"العربي الجديد": "منطقتنا من بين أبرز مناطق إنتاج الرمان في تونس حيث تتعدّد الأصناف، وأشهرها القابسي الذي يتوفّر بكثرة في الجنوب، والزهري والشلفي والجبالي، وهي أصناف تُنتج في مناطق الشمال الشرقي وتستور، والقلعي الذي يزرع في منطقة الساحل، والتونسي الذي تشتهر به تستور وجهة الجنوب الغربي".

الصورة
تتعدد منتجات الرمان ومن بينها العصائر، 7 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
تتعدّد منتجات الرمان، ومن بينها العصائر، 7 أكتوبر 2025 (العربي الجديد)

ورغم أن تستور من أهم مناطق إنتاج الرمان، لكنها لا تضم مصانع خاصّة به، أو مشاريع لاستثمار الثمار في صناعات غذائية، لكنّها تبقى محركاً اقتصادياً وتجارياً مهماً في المنطقة، وتوفّر عملاً موسمياً في موسم الجني، وتنظم مهرجاناً خاصّاً بالرمان في أكتوبر/ تشرين الأول من كل سنة، وبات العديد من السكان يصنعون في بيوتهم مربى الرمان ودبسه، كما تتوفّر عصائر الرمان على مدار السنة.

ويحتلّ صانعو المنتجات الحرفية مركز الصدارة في منطقة تستور، خصوصاً خلال المهرجان. ويُقدم كل منهم وجهاً مختلفاً للرمان، سواء العصير الطازج أو المثلجات والمربيات التي تُعرض في قوارير زجاجية صغيرة تتضمن مُربّى الرمان ودبس الرمان الأسود الكثيف، وتلمع باللون القرمزي الكثيف على واجهات المحلات. وفي الساحة الكبيرة وسط تستور تجتمع أصول الرمان وفروعه، من ثمرة كاملة إلى خلاصة مذاق محفوظ.

وتقول حفيظة زبيس لـ"العربي الجديد": "تشهد تستور خلال الموسم توافد آلاف لشراء ثمار الرمان، والمشاركة في فعّاليات المهرجان، لكن الأهم أن سكانها نجحوا في الاستثمار في هذه الثمار لتوفير مواطن شغل دائمة جعلتها من بين أهم الوجهات، خصوصاً في العطل الأسبوعية. يُقبل التونسيون على شراء دبس ومربى الرمان والمثلجات والعصائر التي تتوفر على مدار العام بفضل قدرة السكان المحليين على تخزين هذه الثمار طوال العام بحسب الأساليب القديمة التي استعملها الأندلسيون".

تُضيف حفيظة: "يملك العديد من سكان تستور خبرةً كبيرةً في تخزين الرمان، كي يظل طازجاً طوال السنة، وتتمثل الطرق القديمة التي ورثناها من أجدادنا في تجميع كميات من الرمان، خصوصاً الحبات ذات القشرة السميكة التي لا تتضمّن أي شقوق، وتخزينها في صناديق خشبية وتغطيتها برمال جافة أو رماد أو تبن، وإبقائها في أماكن بعيدة عن الرطوبة، ويُخزّن بعضهم الرمان في أوانٍ فخارية كبيرة تحفظ الحبات من الرطوبة أو درجات الحرارة المرتفعة مع تغليفها بالطين، ويعلّقها آخرون في المخازن بطريقة تجعل القشرة الخارجية تجفّ وتُحافظ على الحبات طازجة في الداخل".

المساهمون