بعد أسابيع من العمل المتواصل في مواجهة موسم حرائق غير مسبوق، ووسط شكاوى من نقص في الأفراد والمعدات ومن عدم توفير الدولة تمويلاً يوازي اتساع المهمات، دخل رجال الإطفاء وموظفو أجهزة الإنقاذ في فرنسا، اليوم الخميس، في إضراب جزئي، بالتزامن مع اجتماع لممثلي نقاباتهم التسع مع وزير الداخلية لوران نونيز. وعقب الاجتماع، الذي عُقد بعد ظهر اليوم ولم تحصل فيه النقابات على إجابات أو التزامات ملموسة من قِبَل الوزير، أعلنت المنظمات التسع توسيع تحركها، داعيةً إلى التظاهر في باريس بدءاً من 26 سبتمبر/ أيلول المقبل، وإلى إضراب وتعبئة واسعة في عموم فرنسا في 29 منه.
وقال الأمين العام لـ"الكونفدرالية العامة للشغل" في جهاز الإطفاء والإنقاذ بإقليم بوش دو رون، لوران غيوتو، إن قرار توسيع التحرك كان نتيجةً مباشرة للاجتماع، مضيفا لـ"العربي الجديد": "لم نخرج بإجابات ملموسة حول مسؤولية الدولة في تمويل أجهزة الإطفاء والإنقاذ، ولا حول الوسائل أو التوظيف. لم يقدم لنا الوزير أي إجراءات أو التزامات دقيقة". وأوضح غيوتو، الذي شارك في اللقاء، أن النقابات طالبت بتوفير ما يعادل 21 ألف وظيفة بدوام كامل، وهو رقم تستند فيه إلى تقدير صادر عن المفتشية العامة للإدارة، لكن الوزير لم يوضح كيفية تمويل هذا الطلب. وتابع: "ربط الوزير الأمر كلياً بمشروع قانون المالية الخاص بموازنة عام 2027، لكن هذا لا يكفي. كنا نريد التزامات قوية، وهو لم يقدمها. ولذلك دعونا إلى تحرك كبير الشهر المقبل". ولم يقدم نونيز للنقابات جدولاً زمنياً لزيادة تمويل أجهزة الإطفاء والإنقاذ أو بدء التوظيف، واقتصر ما عرضه خلال الاجتماع، بحسب غيوتو، على تحديد موعد لعرض المحاور الثلاثة لمشروع قانون يتعلق بتنظيم عمل هذه الأجهزة، من دون أن يضمن إقراره أو رصد الأموال اللازمة لتطبيقه.
ويأتي الإضراب في ذروة موسم حرائق غير مسبوق في فرنسا، تجاوزت فيه المساحات المحترقة 119 ألف هكتار حتى نهاية يوليو/ تموز، مع العلم أن العديد من الحرائق قد اندلعت منذ ذلك الوقت، فيما تخطى مجمل الحرائق المسجلة في البلد هذا العام 14 ألفاً و300. وخلال الأسابيع الماضية، انتقلت فرق إطفاء من أقاليم إلى أخرى، واستُدعي عاملون خلال إجازاتهم، بينما طلبت السلطات من الشركات تسهيل التحاق موظفيها من رجال الإطفاء المتطوعين بعمليات الإنقاذ.
وتقول النقابات إن الحرائق كشفت نقصاً أقدم وأوسع في أجهزة الإطفاء، لا يقتصر على مواسم الصيف، مع ارتفاع حالات التدخل المرتبطة بالحوادث والحالات الطبية الطارئة والكوارث المناخية، من دون زيادة موازية في أعداد العاملين والآليات. وتُطالب المنظمات العمالية بتمويل ثابت يكفي لتغطية هذه المهمات، وتوظيف مزيد من رجال الإطفاء المحترفين، وتحسين الحماية من الدخان والمواد السامة أثناء العمل. وشمل إضراب، اليوم الخميس، رجال الإطفاء المحترفين والموظفين الإداريين والفنيين، فيما استمرت عمليات الإنقاذ في مختلف الأقاليم، إذ تستطيع إدارات أجهزة الإطفاء استدعاء المضربين إلى العمل عند الحاجة لضمان الاستجابة للحالات الطارئة. واتخذ الاحتجاج أشكالاً عدة، منها تنظيم تحركات محلية، وكتابة شعارات على سيارات الإطفاء وعلى مداخل مراكز الإطفاء، ورفع لافتات، وارتداء سترات كُتب عليها "إطفائيون مضربون". أما رجال الإطفاء المتطوعون، الذين يزيد عددهم على 200 ألف ويشكلون قرابة 80% من مجموع رجال الإطفاء في فرنسا، فلم تدعُهم النقابة التي تمثلهم إلى الإضراب. لكن النقابة انتقدت في الوقت نفسه استبعادها من الاجتماع مع وزير الداخلية، رغم اعتماد منظومة الإنقاذ الفرنسية عليهم في نحو ثلثي نشاطها اليومي.
ويأتي الإضراب بعد أربعة أعوام من تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عقب حرائق عام 2022، بتعزيز إمكانات مكافحة النيران وتجديد أسطول طائرات الإطفاء وتمويل أكثر من ألف آلية جديدة. لكن موسم الحرائق لهذا العام بدأ من دون أي طائرة إضافية، ولم يكن قد دخل الخدمة سوى نحو نصف الآليات الموعودة. وتقول الحكومة إنها رفعت موازنة الأمن المدني واستثمرت بكثافة في تحديث معداته، غير أن النقابات ترى أن الوسائل المتاحة لم تواكب اتساع الحرائق وتعددها.