دير الزور | قطاع صحي منكوب ينتظر الإنعاش بعد انسحاب "قسد"
استمع إلى الملخص
- مشفيا "دير الزور الوطني" و"الفرات" يواجهان نقصاً في الأطباء والمعدات، مما يدفع السكان للسفر إلى دمشق لتلقي العلاج في رحلات مكلفة وخطرة.
- زار وزير الصحة دير الزور لتعزيز الجاهزية، لكن التحديات مستمرة مع نقص المعدات والكوادر، خاصة في مناطق مثل البوكمال والميادين.
تبدو المستشفيات الحكومية في محافظة دير الزور (شرقي سورية)، اليوم، صورة مكثفة لما خلّفته سنوات الحرب وتعدد القوى المسيطرة من انهيار شبه كامل في القطاع الصحي، فبعد استعادة السيطرة على المدينة وريفها من قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وجد السكان أنفسهم أمام واقع صحي هش، تعجز فيه المشافي العامة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات، وسط نقص حاد في الكوادر والتجهيزات، وضغط متزايد من آلاف المرضى.
في مركز المدينة، يبرز مشفيا "دير الزور الوطني" و"الفرات" مرفقين حكوميين أساسيين يستقبلان المرضى من المدينة وأريافها، إضافة إلى سكان البوكمال والميادين. ويعاني مشفى "دير الزور الوطني" (المعروف سابقاً باسم مشفى الأسد، والذي غُيّر اسمه بقرار حكومي في 25 ديسمبر/كانون الأول 2024)، من نقص كبير في الأطباء الاختصاصيين والممرضين وعمال التعقيم، إلى جانب شكاوى المرضى من غياب الأدوية الأساسية، ما يدفعهم لشرائها من الصيدليات الخاصة بأسعار باهظة. ورغم استمرار أعمال الترميم بدعم من منظمة دولية، لا يزال المشفى عاجزاً عن مواكبة حجم الطلب؛ إذ يضطر المرضى للانتظار ساعات طويلة قبل معاينتهم. ويضم المشفى أقساماً عدة، أبرزها الإسعاف الذي يعاني نقص الأطباء، وقسم الأشعة الذي يقتصر عمله على الحالات الطارئة، وقسم الكلى (باستثناء الجمعة)، وقسما العصبية والعظام؛ ويعد الأخير القسم الوحيد الذي يتوفر فيه اختصاصي على مدار 24 ساعة، حتى وصفه أحد المراجعين بـ"الناجي الوحيد" في المشفى.
أما مشفى الفرات، الذي أعيد تنظيمه وتسميته مؤخراً، فيضم أربعة أقسام رئيسية (الأطفال، النسائية، الداخلية القلبية، العناية المشددة). ورغم وجود أطباء مقيمين، فإن غياب الاختصاصيين لا يزال عائقاً أمام تقديم خدمات متكاملة، خاصة في الحالات الحرجة. ويؤكد ممرضون أن الأجهزة المتوفرة "شبه جيدة" عدداً، لكنها تحتاج صيانة، فيما تعرّضت منشآت وبنوك دم في المحافظة للتخريب والسرقة سابقاً.
رحلات علاج "قاتلة"
هذا الواقع يدفع غالبية السكان لتجنّب العيادات الخاصة لارتفاع تكاليفها، بينما يضطر أصحاب الأمراض المزمنة للسفر إلى دمشق، في رحلة مكلفة وخطرة. يقول عبد الله أبو التقى، وهو خمسيني من ريف دير الزور، لـ"العربي الجديد": "نقطع مئات الكيلومترات من أجل تحليل أو صورة، الرحلة متعبة ومكلفة، وأحياناً نؤجل العلاج لأننا لا نملك ثمن السفر". ويشير إلى أن كثيرين من معارفه توفوا بسبب تأخر الوصول للمشافي المتخصصة، واصفاً الوضع الصحي في دير الزور بأنه "كان شبه معدوم". من جهتها، تقول فضة الأفندي، مريضة سرطان من الميادين، إنها كانت تضطر للسفر إلى دمشق لتلقي العلاج الكيميائي. وتضيف: "العلاج بعيد والتكاليف فوق طاقتنا، لكن لم يكن أمامنا خيار". وتعبر عن أملها بأن تشهد المرحلة المقبلة تحسناً حقيقياً، مؤكدة: "أكبر أمنياتنا أن نتعالج في محافظتنا، بين أهلنا، دون خوف أو سفر".
في محاولة لاحتواء التدهور، وصل وزير الصحة، الدكتور مصعب العلي، إلى دير الزور، أمس الأحد، في زيارة شملت مشفيي دير الزور الوطني والهويدي. وأكد الوزير عبر منصة "إكس" أن الكوادر الطبية حضرت لتقديم الدعم، مشدداً على أن العمل مستمر لتعزيز الجاهزية، كما أعلنت الوزارة تسيير عيادات متنقلة وتجهيز أسطول إسعاف لضمان التغطية الفورية ريثما تُستكمل أعمال التأهيل.
غير أن الواقع على الأرض لا يزال بعيداً عن التعافي. ويقول مدير صحة دير الزور، الدكتور يوسف السطام، لـ"العربي الجديد"، إن حجم الدمار "كان أكبر بكثير من التقديرات الأولية"، مشيراً إلى أن الفرق الصحية تفاجأت بحالة المنشآت التي تعرضت للتخريب والإهمال لسنوات. وأوضح السطام أن المديرية تمكنت من إعادة تفعيل قسمي الإسعاف والعناية في المشفى الوطني، وافتتاح مركز إسعافي في البوكمال، معتبراً هذه الخطوات "استجابة إسعافية ضرورية لكنها لا تلبي حجم الحاجة". وأشار إلى أن عدد المراكز الصحية يبلغ حالياً 108 مراكز (نصفها كان خارج السيطرة سابقاً)، لافتاً إلى أن نسبة الإشغال في المراكز المجهزة تجاوزت 80%. وأكد السطام أن التحدي الأبرز هو النقص الحاد في المعدات النوعية والكوادر؛ حيث لا تضم المحافظة سوى جهاز تصوير "طبقي محوري" واحد، في ظل غياب كامل لأجهزة الرنين المغناطيسي والقسطرة القلبية.
البوكمال والميادين.. خارج الخدمة
ولا يقتصر التدهور على مركز المحافظة، بل يمتد لريفها الشرقي. ففي البوكمال، يقول المشرف على ترميم المنشآت الطبية، الدكتور عثمان البحر، لـ"العربي الجديد"، إن المدينة تعاني انهياراً شبه كامل في بنيتها الصحية. ويوضح البحر أن "مشفى البوكمال الوطني" تعرض للنهب الكامل قبل تدمير المبنى، بما في ذلك أجهزة غسل الكلى. ويضيف أن المشكلة اليوم تكمن في غياب أبنية صالحة لاستقبال التجهيزات، مشيراً لإمكانية تأهيل بعض المنشآت مثل "مشفى عائشة" حال توفر الدعم. أما في الميادين، فلا يعمل أي مستشفى حكومي بشكل كامل. ويؤكد أطباء أن مرضى القلب والأورام يضطرون للسفر إلى دمشق في ظل غياب هذه الخدمات، ونقص سيارات الإسعاف، وانقطاع الكهرباء.
ويصف أطباء وممرضون واقع القطاع الصحي في دير الزور بأنه "تحت الصفر". ورغم الوعود الحكومية، لا يزال السكان ينتظرون خطة واضحة تعيد للقطاع الصحي بعده الإنساني، وتضمن حقهم في العلاج داخل محافظتهم، لتطوى صفحة معاناة باتت جزءاً يومياً من حياتهم في مدينة أنهكتها الحرب.