دمٌ للحياة… حملة تبرع بالدم لإنقاذ حياة مرضى الثلاسيميا في سورية

14 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:27 (توقيت القدس)
يطالب أهالي مرضى الثلاسيميا في سورية بإعادة التبرع المنتظم بالدم، 9 فبراير 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أُطلقت حملة تبرع بالدم في سورية لدعم مرضى الثلاسيميا، بالتنسيق بين وزارتي الصحة والتربية، في ظل نقص حاد في مخزون الدم وارتفاع تكاليف العلاج.
- يعاني مركز الثلاسيميا في دمشق من نقص في الأجهزة، لكنه يخدم أكثر من 2300 مريض. يشدد مدير المركز على أهمية التبرع الجماعي لتأمين دم متوافق وتقليل المضاعفات.
- تتعاون وزارة الصحة مع منظمة الصحة العالمية لتطبيق استراتيجيات وقائية للكشف المبكر عن الثلاسيميا، مع اقتراحات قانونية للحد من زواج حاملي المرض.

في مناسبة ذكرى التحرير، أُطلقت اليوم الأحد حملة تبرع بالدم لمصلحة مرضى الثلاسيميا في سورية بالتنسيق بين وزارتي الصحة والتربية في مركز العيادات الشاملة بدمشق لمحاولة تأمين جزء من احتياجات علاج مرضى يعتمدون على نقل دم باعتباره شرطاً أساسياً للبقاء على قيد الحياة، وتعزيز قيَم التكافل في ظل النقص الحادّ في مخزون الدم.

في إحدى غرف المركز جلس مصطفى القادري جنب ابنه الصغير، وتابع بصمت مسار أنبوب الدم المتصل بجسد أنهكه المرض قبل أن تتشكل ملامح طفولته. وقال الرجل الخمسيني لـ"العربي الجديد": "نراجع المركز دورياً لأن نقل الدم هو العلاج الوحيد المتاح، لكن تأمينه بات أشبه بمعركة مفتوحة مع الوقت والإمكانات. غالبية المرضى الذين يقصدون المركز من طبقات فقيرة لا يملكون خيار العلاج في القطاع الخاص، في حين تُمنح أجهزة نقل الدم التي زُوّد بها المركز، وفق شروط صارمة، للحالات التي وصلت إلى مراحل متأخرة جداً".
وشرح أن العائلات تُجبر اليوم على تأمين لوازم مضخات الدم على نفقتها الخاصة، بتكلفة تراوح بين 200 و500 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثيرين. واستعاد بحسرة ما كان معمولاً به في السابق حين كانت وزارة الصحة تؤمّن جزءاً من احتياجات المرضى، ويتكفل الأهالي بالباقي. وأكد أن غياب هذا الحد الأدنى فاقم معاناة المرضى وذويهم.

ولا تبدو معاناة مصطفى استثناءً، بل هي نموذج يتكرر لمعاناة مئات مرضى الثلاسيميا في سورية، حيث لا يقتصر الألم على المرض الوراثي المزمن، بل يمتد إلى القلق اليومي من نقص الدم بعدما سبَّب إلغاء نظام التبرع المنظّم تراجعاً كبيراً في كميات الدم المتوفرة، ما انعكس مباشرة على انتظام جلسات نقل الدم، وهدد حياة مرضى يحتاجون إلى دم في شكل دوري.

وأكد مدير مركز الثلاسيميا، الدكتور عمر الشعار، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن حملة التبرع بالدم في مناسبة ذكرى التحرير تساهم في إنقاذ حياة العديد من الأطفال الذين يعتمدون على الدم علاجاً أساسياً. وأوضح أن "المركز يستقبل مرضى الثلاسيميا يومياً لإجراء الفحوص السريرية والمتابعة الطبية الدورية، وأن عمليات نقل الدم تحصل وفق بروتوكولات دقيقة، كما تقدم الأدوية اللازمة للحدّ من مضاعفات المرض، ونقل الدم ركيزة أساسية للعلاج، ويتطلب توفر دم آمن ومفحوص، ما يفرض تنسيقاً دائماً مع بنوك الدم في ظل زيادة عدد المرضى".

وأشار الشعار إلى أن "المركز يقدم خدماته حالياً لـ1233 مريض ثلاسيميا، و610 مرضى ثلاسيميا منجلية، و504 مرضى فقر دم منجلي، إضافة إلى خدمات التحاليل والمتابعة ونقل الدم لـ84 مريضاً غير مصنفين. كما يضم المركز 45 سريراً ونحو 60 كرسياً لنقل الدم، في حين يعاني المختبر من شبه توقف بسبب نقص الأجهزة ومواد التحليل". وأكد أن المشاركة في حملات التبرع بالدم تمثل شريان حياة للمرضى، وتساهم مباشرة في استمرار علاجهم، مشدداً على أهمية ترسيخ ثقافة التبرع الطوعي المنتظم.

وذكر أيضاً أن "كل طفل مصاب بمرض الثلاسيميا يحتاج إلى 12 كيس دم كحد أدنى سنوياً، وتزداد الكمية كلما تقدم في العمر، وثمّة فكرة أن تتبنى خمسة أو ستة متبرعين من أصحاب زمرة دم طفل، أحد المصابين بالثلاسيميا، عبر التبرع مرتين أو ثلاث مرات في السنة، ما يضمن تأمين دم بشكل مستمر". ولفت إلى أن "نظام التبرع الجماعي يحدّ من دخول أجسام غريبة إلى جسم الطفل، لأن الدم والخضاب يصبحان أكثر توافقاً، ما يساهم في تأمين حياة أفضل من دون تشوهات أو مضاعفات".

من جهته، قال رئيس دائرة الأمراض المزمنة في وزارة الصحة، الدكتور ياسر مخللاتي لـ"العربي الجديد" إن "حملات التبرع بالدم، ومنها حملة قطف الدم، تُنفّذ في مراكز مخصصة، حيث يُجمع الدم ويُعالَج وتُجرى له التحاليل اللازمة قبل تقديمه للأطفال المرضى في اليوم التالي. والوزارة تعمل لتأمين دم آمن ومستدام لمرضى الثلاسيميا، في حين تنصب الجهود الرسمية على جعل سورية خالية من هذا المرض. وقد أطلقت اللجنة الوطنية لمرضى الثلاسيميا هذا العام مشروعاً وطنياً للقضاء على المرض يلحظ رفع مستوى الثقافة الصحية حول الأمراض الوراثية، وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطرها، إلى جانب اقتراحات لوضع أطر قانونية تردع الزواج بين حاملي المرض، من بينها عدم تكفّل الدولة بعلاج الأطفال المصابين في حال كان الزواج خياراً واعياً رغم معرفة المخاطر".

وتفيد إحصاءات وزارة الصحة السورية بأن عدد الولادات الجديدة لمرضى الثلاسيميا يتجاوز 200 سنوياً، في وقت ارتفعت تكاليف العلاج في شكل كبير. ويبلغ عدد مرضى الثلاسيميا في البلاد نحو 5830 في مختلف المحافظات، في مقدمها دمشق ثم حلب. أما منظمة الصحة العالمية فتشير إلى أن أكثر من 400 ألف طفل مصابين بالثلاسيميا يولدون سنوياً، وأنها تتعاون مع وزارة الصحة السورية لتطبيق استراتيجيات وقائية للكشف المبكر عن المرض.

وقال الدكتور نوفل العودة، المتخصص في طب الأطفال، لـ"العربي الجديد": "الثلاسيميا مرض وراثي مزمن يرهق الطفل وعائلته صحياً ونفسياً واقتصادياً بسبب مضاعفاته التي تشمل السكري، وتأخر البلوغ، وفشل النمو، إضافة إلى مخاطر نقل الدم المتكرر، وما قد يرافقه من فشل قلبي وكلوي ومضاعفات قد تكون قاتلة". وأكد أن "المرض ناجم في شكل أساسي عن زواج الأقارب، ما يجعل الفحوص الطبية قبل الزواج أداة أساسية للحدّ من انتشاره، وتصل الكلفة السنوية لعلاج مريض الثلاسيميا إلى نحو 10 ملايين ليرة سورية، وتناهز كلفة كيس الدم الواحد 200 ألف ليرة، وفلتر الدم 300 ألف ليرة، أما سعر التحليل الواحد فيتجاوز مليوناً ومئة ألف ليرة، ما يرفع نفقات علاج المرضى في سورية إلى أكثر من 52 مليار ليرة سنوياً.

وبين حملات التبرع والقصص الإنسانية الثقيلة، يبقى الدم عنصراً حاسماً في معادلة الحفاظ على حياة مرضى الثلاسيميا، ويرى أطباء وأهالٍ أن إعادة تفعيل نظام التبرع المنظّم إلى جانب تشجيع التبرع الطوعي، لم تعد خياراً، بل ضرورة إنسانية لإنقاذ أطفال لم يختاروا مرضهم.
 

المساهمون