استمع إلى الملخص
- أصدر رئيس السلطة القضائية تعميماً لملاحقة "التيارات المنظمة" لترك الحجاب، بينما أثار سباق الماراثون المختلط في كيش جدلاً واعتقالات، وأكدت الحكومة فشل فرض الحجاب بالقوة.
- تتنوع آراء النساء الإيرانيات حول الحجاب بين الرغبة في حرية الاختيار والقلق من عودة دوريات الإرشاد، مع دعوات لاحترام اللياقة الاجتماعية.
عادت قضية الحجاب في إيران إلى الواجهة مجدداً، بعدما تحولت مظاهر خلعه إلى ارتداء ملابس تكشف الصدر أو الساقين، ما أثار غضب أوساط دينية ومحافظة، وتزايدت الانتقادات للحكومة مع اشتداد الضغوط البرلمانية والسياسية على الرئيس مسعود بزشكيان، لدفعه إلى إعادة تطبيق "قانون العفاف" المعلق.
ووجّه 155 نائباً في البرلمان الإيراني، مطلع ديسمبر/كانون الأول الحالي، رسالة إلى رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، انتقدوا فيها أداء الأجهزة التنفيذية والقضائية في ما يتعلق بتنفيذ "قانون العفاف"، داعين إلى مساءلة الجهات المقصّرة في تطبيقه، مع تأكيد أن الحجاب من بين المبادئ الواردة في الدستور، ومن الرموز الهويّاتية، وأن التقصير أتاح فرصة لـ"تفاقم المظاهر غير المنضبطة"، و"استغلالها إعلامياً من الأعداء".
بدوره، قال رئيس السلطة القضائية، خلال زيارة إلى مدينة يزد (وسط)، إنه أصدر تعميماً من أربع مواد، تقرر بموجبه أن تبادر الأجهزة الاستخبارية إلى تحديد "التيارات المنظمة المروّجة لترك الحجاب"، وإحالتها إلى القضاء، مضيفاً أن قوات الشرطة، وفقاً لتكليفها القانوني، تتولى التعامل مع الجرائم المشهودة في الأماكن العامة.
وأثار سباق الماراثون الذي أُقيم في جزيرة كيش المطلة على الخليج، بمشاركة مختلطة من النساء والرجال، موجة واسعة من الجدل، واعتقلت السلطات عدداً من المسؤولين عن تنظيم الحدث بعد انتقادات حادّة من شخصيات ووسائل إعلام محافظة.
وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام إيرانية خلال الأسابيع الماضية أنباء عن عودة دوريات الآداب العامة إلى شوارع العاصمة طهران، ما أثار ردات فعل غاضبة، لكن مع مرور الوقت اتضح أن الأمر لم يحدث.
وفي وقت سابق، أعلن أمين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في طهران، روح الله مؤمن نسب، إنشاء "غرفة متابعة لشؤون العفة والحجاب"، وتفعيل 80 ألف عنصر.
وبالتزامن، قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، خلال مؤتمر صحافي: "لا يمكن فرض الحجاب على الإيرانيات. الرئيس مسعود بزشكيان كرر مراراً أنه لا يمكن فرض الحجاب بالقوة، تماماً كما لم تُفلح سلطات سابقة في نزعه بالقوة في العهد الملكي البهلوي. هذه التجارب أثبتت فشلها". وأضافت أن "أي عمل في المجال الاجتماعي ينبغي أن يراعى فيه الموقف الثقافي للمجتمع، مع ضرورة ضبط السلوكيات الخارجة عن الأعراف الاجتماعية، وتعاون المواطنين لتجنّب تفاقم تلك المظاهر".
وبدأت ظواهر خلع الحجاب علناً بالتزامن مع احتجاجات عام 2020، والتي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني بعد أيام من احتجازها من شرطة الآداب في طهران بتهمة عدم التقيد بقواعد الحجاب.
من طهران، تقول الطالبة ندا (26 سنة) لـ"العربي الجديد": "لم أعد أضع غطاء الرأس منذ ثلاث سنوات، وليس ذلك بقصد الاستفزاز، ولا لتسجيل اعتراض، لكنني أشعر أن الإنسان يجب أن يقرر لنفسه، لا أن يُفرَض عليه القرار". وعند سؤالها إن كانت ستلتزم بالحجاب إذا عادت الدوريات وبدأت ملاحقة غير المحجبات، أجابت: "لا أستطيع إجبار نفسي على ما لا أؤمن به. حتى لو عاد التعامل الصارم، لن أغيّر قراري، فالتراجع يعني إنكار حقي. لو لم تكن هذه المقاومة، لما شهدنا هذا التحول في المجتمع تجاه قضية الحجاب، ولما اضطُرت الحكومة إلى التكيّف".
بدورها، تقول الفنانة التشكيلية صبا (23 سنة): "اتخذت قراري بأن أعيش بلا حجاب، حتى لو وجهت لي تهمة أو ألقي القبض علي. أؤمن أن أي تغيير اجتماعي لا يتحقق بلا ثمن. لست ملحدة ولا أنا ضد النظام، أريد فقط أن أُعامل على أنني إنسان له حرية الاختيار. حين تظهر الدوريات ينتشر الخوف كظلّ ثقيل، لكن المجتمع بدأ يتخلّص من ذلك الخوف، وأعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد مزيداً من الفتيات اللواتي يقلن لا".
وتؤكد مصممة الغرافيك سارا (29 سنة): "أحياناً أضع الشال على رأسي، وأحياناً لا أضعه. هذا القرار يمنحني راحة شخصية، وعندما يتحدثون مجدداً عن التشدد، أشعر بأن الغضب والقلق سيعودان. إذا عادت دوريات الإرشاد فسيمثل ذلك تراجعاً مجتمعياً. حينها ربما ألتزم مؤقتاً لأتجنّب الاعتقال، لكن هذا مظهر خارجي فقط؛ والعقل لا يمكن تغييره بالإكراه".
أما فريدة، وهي معلمة متقاعدة، فتقول: "لست ضد حرية اللباس، لكن الحرية يجب أن تقترن باللياقة الاجتماعية. أنا محجبة، وحين تسير فتاة في الشارع بلباس فاضح فإنها تثير الناس، وأحياناً أشعر أن الحدود كسّرت، بينما مجتمعنا لديه تقاليد، وينبغي ألا نصل إلى حدّ يصبح فيه انعدام الحدود علامة تطوّر. لا أؤيد عودة الدوريات، لكن يجب تعليم الناس أين تبدأ حدود الاحترام الاجتماعي وأين تنتهي".
تعمل نرجس بشركة خاصة في طهران، وتشير لـ"العربي الجديد" إلى أن بعض الفتيات يحاولن استغلال مسألة الحرية لتحدّي المجتمع، مضيفة: "لست محجبة، لكني أيضاً لا أرتدي ملابس مكشوفة. لا أريد لأحد أن يُكره على زي معين، لكن حين ترتدي النساء في الأماكن العامة ملابس قصيرة أو شفافة، فهذا ليس حرية بل استفزاز، وقد يُمهّد لتضييق الفضاء أمام من لا يرغبن بارتداء الحجاب".
من جانبها، تقول مصممة الأزياء كيما (24 سنة) لـ"العربي الجديد": "الجسد جزء من التصميم، وعندما أرتدي ملابس قصيرة أو ممزقة فأنا لا أقصد الإثارة، بل أعيش أسلوبي الشخصي. البعض يظنون أن رؤية امرأة بهذا اللباس يجعلها تستحق الحكم عليها، لكن هذا ظلم للحرية الإنسانية. ألحظ نظرات ثقيلة وهمسات، وأحياناً كلمات جارحة، وفي مرة قال لي حارس متجر إن هذا اللباس غير مناسب. كيف لشخص أن يحدد لآخر ما يرتديه؟ الأصل أن كل إنسان يجب أن يقرر بنفسه".