خسائر حرائق تونس تنذر بالأسوأ

29 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:15 (توقيت القدس)
إخماد نيران في غابات ولاية الكاف، 24 يوليو 2026 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت تونس زيادة كبيرة في حرائق الغابات، حيث التهمت النيران 4400 هكتار منذ مايو، مما أدى إلى خسائر بيئية واقتصادية كبيرة. التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة يزيدان من احتمالية تكرار هذه الحرائق.

- تصاعدت الدعوات لإطلاق برنامج وطني لإعادة التشجير وترميم المناطق المتضررة، مع تعزيز الوقاية والرقابة. منظمات مدنية بدأت مشاريع للتشجير، مثل الكشافة التونسية وجمعية "صولي آند قرين".

- تعتمد تونس على منظومة مشتركة لمراقبة الغابات، لكن التغير المناخي يتطلب تحديث وسائل التدخل باستخدام التكنولوجيا الحديثة وتوعية المواطنين لتجنب الأفعال التي تزيد من خطر الحرائق.

تتصاعد في تونس الدعوات إلى إطلاق برنامج وطني شامل لإعادة التشجير وترميم المناطق المتضررة من حرائق الغابات، خصوصاً بعدما التهمت أخيراً ضعف المساحة مقارنةً بالعام الماضي، وسط مطالبات بتعزيز سبل الوقاية والرقابة.

تكشف الحصيلة الأولية لموسم حرائق الغابات في تونس عن خسارة نحو 4400 هكتار منذ مطلع مايو/ أيار الماضي، بزيادة تقارب 63% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لما أعلنته السلطات التونسية في 23 يوليو/ تموز الجاري، وذلك في واحدة من أكثر المواسم قسوة خلال الأعوام الأخيرة. وكانت النيران قد أتت على مساحاتٍ واسعة من الغابات والأحراش والمراعي، مخلّفةً خسائر بيئية واقتصادية قد يصعب تعويضها في المدى القريب، وسط تحذيرات من أنّ التغير المناخي وموجات الحر القياسي قد يجعلان مثل هذه الحرائق أكثر تكراراً خلال الأعوام المقبلة.

وهذا العام خسرت تونس نحو ضعف مساحة الغابات من جراء الحرائق مقارنةً بالعام الماضي. إذ كشف المدير العام للغابات بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري محمد نوفل بن حاحا، في تصريحات لوكالة الأنباء التونسية الرسمية، أنّ الحرائق التي اندلعت بين الأول من مايو الماضي و23 يوليو الجاري أتت على نحو 4400 هكتار، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة ذاتها من العام 2025. وبحسب المسؤول نفسه، طاولت الحرائق أساساً غابات البلوط الفليني والصنوبر الحلبي، وهي أصناف غابية تكتسي أهمية اجتماعية واقتصادية بالنسبة لسكان المناطق الغابية، باعتبارها تمثل مورداً للرزق.

ومنذ أسابيع تكاد الحرائق لا تهدأ في تونس، فما إن تُعلَن السيطرة على حريق في منطقةٍ ما، حتى يندلع حريق جديد في منطقة أخرى، تزامناً مع درجات حرارةٍ قياسية سجّلتها البلاد لامست حدود 50 درجة مئوية، وترافقت مع رياحٍ صحراوية عزّزت نطاق النيران وعرقلت جهود الإطفاء.

الصورة
جهود للحد من خسارة الغطاء النباتي، الكاف، 24 يوليو 2026 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)
جهود للحد من خسارة الغطاء النباتي، الكاف، 24 يوليو 2026 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

ولم تنحصر حرائق هذا الصيف في المناطق الجبلية شمال غربي البلاد، بل توسّع نطاقها لتشمل مدناً ساحلية وغاباتٍ قريبة من البحر في ولايات بنزرت وباجة وجندوبة والكاف وسليانة وزغوان ونابل. كما طاولت أصول النخيل جنوبي البلاد في ولاية قبلي، حيث اقتربت النيران من التجمعات السكنية، وأدّت إلى احتراق فضاءات سياحية وإجلاء عدد من السكان، فيما أعلنت الحماية المدنية تسجيل مئات التدخلات لإخماد الحرائق خلال ذروة موجة الحر. ووسط الحرائق المتتالية وخسارة آلاف الهكتارات، تصاعدت الدعوات إلى إطلاق برنامج وطني واسع لإعادة التشجير وترميم المناطق المتضررة، مع تعزيز وسائل الوقاية والرقابة، باعتبار أنّ الغابات تشكل أحد أهم عناصر التوازن البيئي، وخط الدفاع الأول ضد التصحر وانجراف التربة وفقدان التنوع البيولوجي.

وقد أعلنت منظمات مدنية عديدة، بما في ذلك الكشافة التونسية، إطلاق مشاريع للتشجير، على أن تُنفّذ في أقرب وقتٍ ممكن، تفادياً لمواسم أكثر حرّاً وخسائر أكبر في الغطاء النباتي في تونس، خصوصاً أنّ البلاد تعاني أصلاً من مواسم جفاف حادّ. وفي حديثه لـ"العربي الجديد"، يشير رئيس جمعية "صولي آند قرين" حسام حمدي إلى أنّ الغابات التي تغطي نسبة محدودة من مساحة تونس تؤدي أدواراً بيئية واقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية، إذ تمثل موطناً لآلاف الأنواع النباتية والحيوانية، وتساهم في تثبيت التربة والحد من الانجراف، كما تساعد على تغذية الموائد المائية والحد من الفيضانات، فضلاً عن دورها في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون والتخفيف من آثار التغير المناخي. ويؤكّد حمدي أنّ خسارة شجرة قد تستغرق استعادتها 30 عاماً في ظلّ ظروفٍ مناخية قاسية تُضعف قدرات الإنبات في المساحات المغروسة حديثاً، معتبراً أنّ مشاريع غراسة الأشجار يجب أن تكون موازية لبرنامج وطني يهدف إلى الحدّ من الحرائق، خصوصاً أن مكافحتها تتطلّب مسؤولية مجتمعية.

تتبنّى جمعية "صولي آند قرين" برنامجاً لغراسة 12 مليون شجرة، ويضيف رئيسها حمدي: "يقوم حراس الغابات بجهد كبير في مراقبة المسالك الغابية والإشعار عن بؤر النيران قبل توسّع نطاقها، غير أنّ المواطنين يتحمّلون أيضاً مسؤولية كبرى في الحماية عبر تجنّب إلقاء الفضلات المشتعلة التي يمكن أن تؤدي إلى كوارث".

وبحسب الإدارة العامة للغابات، فإنّ 90% من حرائق تونس تنشب بفعل فاعل، وغالباً ما تُنسَب إلى مجهولين. وتوفر الغابات في تونس مورداً اقتصادياً لآلاف الأسر التي تعتمد على منتجاتها، مثل الصنوبر الحلبي والفلين والأعشاب الطبية وإنتاج العسل ورعي المواشي، إضافة إلى كونها فضاءات للسياحة البيئية والترفيه.

ويقول الخبير البيئي حمدي حشاد إنّ خسارة 4400 هكتار لا تعني فقط احتراق الأشجار، إنّما تدمير منظومة بيئية متكاملة قد تحتاج إلى عقودٍ حتى تستعيد توازنها الطبيعي، خصوصاً في ظلّ بطء نمو الغابات المتوسطية. ويؤكّد حشاد لـ"العربي الجديد" أنّ احتراق الغابات سيجعل الظروف المناخية في تونس أكثر صعوبة، متوقعاً مواسم صيفية أكثر حرارة. ويتابع: "لا تتوقف آثار الحرائق عند المشهد الأسود الذي تتركه النيران، بل تمتد إلى اختفاء الموارد الطبيعية للحيوانات البرية والطيور والزواحف، ونفوق أعداد كبيرة من الكائنات التي لا تتمكن من الفرار، إضافة إلى تراجع الغطاء النباتي الذي يحمي التربة من التعرية". وبحسب حشاد، تؤدي الحرائق كذلك إلى زيادة خطر الانجراف في خلال موسم الأمطار، إذ تصبح التربة أكثر هشاشة بعد فقدان الغطاء النباتي، وهو ما يرفع احتمال حدوث فيضانات وترسبات طينية، ويؤثر في خصوبة الأراضي الزراعية المجاورة. كما تتسبّب بانبعاث كمياتٍ كبيرة من الغازات الدفيئة، بينما تفقد البلاد جزءاً من قدرتها الطبيعية على امتصاص الكربون، الأمر الذي يعمّق تأثير الاحتباس الحراري.

ويربط خبراء البيئة ارتفاع وتيرة الحرائق بعوامل عدّة متداخلة، في مقدمتها موجات الحر غير المسبوق التي تشهدها تونس في خلال الأعوام الأخيرة، وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وتراجع معدلات الأمطار والجفاف الطويل الذي يحوّل الأعشاب والأشجار إلى وقود سريع الاشتعال. وتُضاف إلى هذه العوامل الأفعال البشرية، مثل إشعال النار أثناء التنزه، أو التخلص العشوائي من أعقاب السجائر، وحرق بقايا المحاصيل الزراعية، فضلاً عن احتمال اندلاع حرائق متعمّدة في بعض الحالات لأغراض التوسّع العمراني أو الرعي أو المضاربة العقارية.

وتعتمد تونس في مراقبة الغابات والتدخل عند اندلاع الحرائق، على منظومة مشتركة تضمّ الإدارة العامة للغابات والحماية المدنية والجيش الوطني والحرس الوطني، إضافة إلى المتطوّعين. وتشمل وسائل الحماية أبراج المراقبة، والدوريات البرية، وفتح المسالك الغابية، وإنجاز خطوط عازلة لمنع امتداد النيران، واستخدام الطائرات والمروحيات عند الحاجة، إلى جانب حملات توعية للمواطنين خلال فصل الصيف. إلا أنّ خبراء يؤكدون أنّ التغير المناخي يفرض تحديث وسائل التدخل عبر توسيع استخدام الطائرات المسيّرة، والاستشعار عن بعد، وأنظمة الإنذار المبكر، والذكاء الاصطناعي لرصد بؤر الحرائق في دقائقها الأولى، بما يقلّص حجم الخسائر.