استمع إلى الملخص
- تدهور الاقتصاد السوري بشكل كبير، حيث تعرضت الصناعات والزراعة لخسائر فادحة، مما أدى إلى انهيار النقد الوطني وتردي الخدمات، مما جعل فرص العمل للشباب شبه مستحيلة.
- يضطر آلاف الخريجين لمغادرة البلاد أو العمل في وظائف غير مؤهلة بسبب غياب الاستثمارات وتوقف المشاريع، مما يفاقم البطالة خاصة بين أصحاب المؤهلات العليا.
من المتعذر معرفة مصير خرّيجي الجامعات السورية بفعل النتائج الكارثية التي تركتها الحرب الأهلية منذ عام 2011، إذ تفكّك المجتمع السوري، وهجر نحو نصف السكان قراهم ومدنهم، إمّا نحو مناطق في الداخل، أو إلى الخارج، والخرّيج السوري من جامعة تركية أو لبنانية أو أردنية أو مصرية له ظروف تختلف عن خرّيج الجامعات السورية، ومن الصعب حصر الأعداد من جهة، والمصائر من جهة ثانية لكليهما.
يمكن القول إنّ الخرّيجين من سورية الباقين في البلد ليسوا أفضل حالاً من أقرانهم اللاجئين، بالنظر إلى أنّ الحرب دكّت الاقتصاد بكامل قطاعاته، وتعرضت الصناعات لضربات قاصمة بعد التدمير الذي تعرّضت له المؤسسات في كلّ من دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها من مدن كانت تملك نواة صناعية تسهم في تلبية الحاجات المحلية، عدا تلك المُعدّة للتصدير إلى الخارج.
وتعرضت الزراعة وما يرتبط بها من ثروة حيوانية لخسائر فادحة تحتاج إلى سنوات طويلة لتجاوزها، وعودتها إلى ما كانت عليه من تأمين اكتفاء ذاتي للبلد وأمن غذائي للعاملين فيه. وتَرافق ذلك مع انهيار النقد الوطني وقيمة الأجور، وتردّي الخدمات. وهذه إذا أُضيفت إلى الوضع الأمني والتفكك الجغرافي، فإنها تجعل فرصة الشباب في الحصول على عمل يناسب مؤهلاتهم صعبة، أو شبه مستحيلة.
ويعمد ألوف الخرّيجين إلى مغادرة البلاد، ولو عبر مراكب الموت، أو يضطرون إلى العمل باعة مُياومين وسائقين عموميّين وحرفيّين، والوصول إلى هذه النتيجة يعود في جانب منه إلى غياب الاستثمارات تحت تأثير التعقيدات السياسية والضائقة الاقتصادية، وتوقف الكثير من المشاريع الخدمية والحرفية عن متابعة عملها، وصرف عمّالها، أو العمل بالحد الأدنى من طاقتها.
على أن فقدان فرص العمل ينسحب أيضاً على الخرّيجين الذين يتمتعون بمرونة عن سواهم، فالأطباء، ورغم تدنّي أجورهم وتعذر فتحهم لعيادات خاصة، لا يجدون مجالاً لممارسة اختصاصهم، ومثلهم المهندسون، فيندفعون إلى مغادرة البلاد. وقِسْ على ذلك من مهنٍ تُعتبر أدنى في سوق العمل.
ولا تعبر أرقام البطالة عن حال التشوّه الذي يعانيه سوق العمل في سورية فحسب، بل تحدّد في الوقت نفسه مَن يدفع الثمن مضاعفاً، فأصحاب المؤهلات العليا، وخصوصاً الإناث منهم، دفعوا الفاتورة الأعلى من خلال البطالة من جهة، والقبول بما يتيسّر من أعمال من جهة ثانية، إذ يضطرّ كثيرون إلى التنازل عن مؤهلاتهم، والقبول بما هو معروض عليهم من مهنٍ من أجل كسب العيش. نشير إلى ذلك من دون الدخول في تفاصيل أوضاع التعليم العالي، والتراجع الذي يعانيه، وضآلة الكفاءات بين الخرّيجين، والتباين بين الاختصاصات النظرية والتطبيقية.
(باحث وأكاديمي)