حومة الجيران... حيّ بلمسة فنية في الجزائر

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:00 (توقيت القدس)
مدخل "حومة الجيران"، 1 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد عودته من فرنسا، قام سيد أحمد عباس بتجديد حيّه في بوثلجة، حيث حسّن البنية التحتية وزيّن الأزقة بالتعاون مع السكان، مما جعل الحي محط اهتمام مواقع التواصل الاجتماعي.
- استلهم أفكاره من الأحياء الأوروبية واستعان بمتخصصين وحرفيين محليين، حيث تم تزيين الجدران بحجارة فنية وسيراميك، وزُينت الأرصفة بالزهور، مما أضفى لمسة جمالية فريدة.
- شمل المشروع توفير بيوت للقطط وطاولات للعب الدومينو، وحظي بتقدير السلطات المحلية، حيث أُطلقت جائزة سنوية لتكريم أنظف حي وأفضل مبادرة إيجابية.

عندما عاد المغترب الجزائري، سيد أحمد عباس، إلى بلده بعد سنوات من الإقامة في فرنسا، أراد أن يكرّم أبناء حيّه بمشروع جميل يعكس تقديره للمكان الذي احتضن طفولته، ويعبّر عن حبه لمسقط رأسه، بعدما فرقته الظروف عن الأهل والأقارب وغادر البلاد في بداية الألفية، وفعل ذلك من خلال تحويل أزقة ضيّقة وعتيقة في الحي إلى تحفة فنية ذات لمسة مميزة، تناغمت فيها الأشكال والألوان، حتى أصبح أشهر حي في البلاد، وحديث كل مواقع التواصل الاجتماعي. لم ينسَ سيد أحمد عباس الشاب الأربعيني الذي عاش طفولته وترعرع في أزقة حي بوثلجة ببلدية أحمر العين، بمحافظة تيبازة، غرب الجزائر العاصمة، مسقط رأسه منذ أن غادر البلاد عام 2004، وعاد إلى أرض الوطن من فرنسا، وكرّم حيّه من خلال تحسين منشآته وتجميله على مراحل. أراد أن يجعله تجربة فريدة من نوعها، وتحفة فنية تتناسب مع ما يمكن مشاهدته في أحياء أوروبية، وهو ما حصل بعزيمة كبيرة، وتضامن والتفاف من باقي سكان الحي.

الفكرة

يقول سيد أحمد لـ"العربي الجديد": "لاحت الفكرة في رأسي منذ أن أنجزت المشروع السكني في منزلنا القديم الذي تحتضنه أرض يملكها والدي، ثم شيّدت أيضاً فندقاً صغيراً بمواصفات عصرية وفخمة، لكنني لاحظت أن الأزقة الخارجية كانت في وضع لا يليق بالمقام، فقررت تحسينها، وقدمت ملفاً عن المشروع للبلدية، من أجل التنسيق معها في الجانب التقني، وتكفلت في المرحلة الأولى بتجديد الشبكات الأرضية الخاصة بالمياه والصرف الصحي، ثم اهتممت في المرحلة الثانية بوضع بلاط وتجهيز أرصفة، وتنفيذ أشغال خارجية مختلفة. وواكب المشروع الذي نفذه سيد أحمد سكان الحي الذين اتفقوا معه على إضفاء لمسة جمالية تجعل الزقاق في حلة جديدة، وتحويله إلى تحفة فنية، فجمعت لقاءات تشاورية بين أبناء "الحومة"، وهي عبارة تشير إلى الارتباط الكبير بين أبناء الحي الواحد في لغة الشارع الجزائري، واتفقوا على الديكور الخارجي للجدران والتصميم النهائي لمختلف الجوانب. ويكشف سيد أحمد في هذا السياق أنه وسّع استشارة متخصصين في تركيب السيراميك والطلاء الفني وبعض الحرفيين في الحدادة، كما نقل أفكاراً من مواقع الإنترنت وأزقة زارها في بعض الدول الأوروبية، وأيضاً ما شاهده في مناطق القبائل من أحياء نموذجية شكّلت مصدر إلهام وتشجيع له ولجيرانه.

لمسات فنية ساحرة لـ"حومة الجيران"، 1 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
لمسات فنية لـ"حومة الجيران"، 1 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

في مدخل "حومة الجيران" نُصبت لافتة كبيرة بالاسم مزخرفة بطريقة فنية. للوهلة الأولى يتذكر من يدخل الحومة مشهد مسلسل باب الحارة السوري، وتقع عيناه على زخارف خارجية للجدران اختار حسين ورفاقه ألوانها كي تكون متناسقة ومريحة للعين، كما جرى طلاء الأرصفة والأسقف الحديدية الدائرية باللون الأسود الذي يعكس الأضواء الليلية، كأنه رسم للوحة فنية جميلة. واختار بعض الجيران وأحدهم لرقات عبد الحق تزيين الجدار الخارجي للحي بحجارة فنية وسيراميك، وتركوا مساحات غُلفت بالخشب الفني أيضاً، ما أعطى لمسة فنية أخرى للمكان. أما علي قينو فتكفل بوضع الصناديق الإسمنتية، ووضعها على الرصيف، حاملة مختلف الأنواع من الأزهار والورود ونباتات الزينة.

للحيوانات حصتها

ولم يستثنِ تصميم الديكور والتزيين الخارجي للحيّ، الحيوانات مثل القطط التي وُضعت بيوت لها على الرصيف، كي تحمي نفسها من الأمطار في الشتاء والحرّ الشديد صيفاً، كما وُضعت طاولات خشبية دائرية وكراسي مصنوعة يدوياً للعب الدومينو، وبعض الألعاب في سهرات شهر رمضان. ويقول سيد أحمد: "كانت الهمة كبيرة، واغتنمنا الفرصة في تجسيد الفكرة خلال شهرين من الأشغال، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من نتيجة مذهلة لم يتوقعها أحد".
ولم تتأخر السلطات في تبني المبادرة وتشجيعها، وكرّم رئيس البلدية لحول عبد القادر صاحب المبادرة سيد أحمد. ويقول عبد القادر لـ"العربي الجديد": "نتمنى أن نرى مبادرات مماثلة في جميع الأحياء، فحومة الجيران مثال حي على تطوّر الوعي المدني في المدينة، ونحن المسؤولين نحاول مرافقة وتشجيع هذه المبادرات عن طريق تقديم الدعم والتسهيلات اللازمة في كل مرة، وقد أطلقنا جائزة سنوية لاختيار وتكريم أنظف حي وأحسن مبادرة إيجابية في أحياء المنطقة".