حملة قضائية لملاحقة مزوّري الهويات في ليبيا

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:18 (توقيت القدس)
محاكمة مزوري الوثائق ضرورة، طرابلس، يونيو 2012 (محمود تركية/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شنت السلطات الليبية حملة ضد تزوير بيانات المواطنة، حيث تم حبس موظفين في السجل المدني لتورطهم في تزوير وثائق سمحت لأجانب بالحصول على أرقام وطنية.
- يوضح الباحث عبد الرؤوف العيساوي أن التزوير توسع بسبب الانقسام السياسي والفراغ الأمني، مما يهدد بنية المجتمع الليبي ويؤدي إلى تغييرات سكانية واجتماعية.
- يثني العيساوي على الحملة القضائية ويدعو إلى التحول الرقمي للسجلات المدنية ومراجعة تشريعية شاملة لحماية الهوية الوطنية الليبية.

شنّت السلطات الليبية خلال الأيام الأخيرة حملة واسعة ضد موظفين ومسؤولين تورطوا في تزوير بيانات المواطنة، ومنح الأرقام الوطنية لأشخاص لا يحملون الجنسية الليبية. وكشفت التحقيقات أن جرائم التزوير ليست فردية، بل ممارسات ممنهجة تنفذها شبكات محلية مستفيدة من هشاشة الرقابة وضعف البنى الإدارية، وتحولت إلى وسائل لإنتاج وثائق رسمية مزيفة يمتلك القائمين عليها صلاحيات النفاذ إلى قاعدة البيانات المدنية.
وأعلنت السلطات القضائية حبس موظف في السجل المدني بمدينة سبها (جنوب)، بعد ضبطه متلبسا بحيازة مستندات رسمية ممهورة بأختام الأحوال المدنية، استخدمت في تزوير قيود عائلية ووثائق مواطنة، وقادت التحقيقات إلى توقيف موظفين آخرين تورطا معه في إنجاز مئات الوثائق المزورة، بين شهادات ميلاد وإقامة، ووثائق زواج وطلاق، وبطاقات هوية. 
وأصدرت النيابة العامة في العاصمة طرابلس، أخيراً قراراً بحبس موظف في السجل المدني، وآخر في الشؤون المحلية بتاجوراء، بعد ثبوت تلاعبهما ببيانات 16 قيداً عائلياً، ما سمح لـ 45 أجنبياً بالحصول على أرقام وطنية. وكشفت التحقيقات عن سهولة تغيير البيانات داخل دفاتر مكاتب السجل المدني في ظل غياب منظومة تدقيق رقمي موحدة، ما يجعل أي موظف قادرا على اختلاق قيود عديدة.
وأدت التحقيقات في مدينة سرت (شمال وسط)، إلى حبس موظف بالسجل المدني بعدما تبين أنه زور بيانات قيود عائلية أتاحت حصول 93 أجنبياً على أرقام وطنية، إضافة إلى منح 42 أجنبية تلك الأرقام بعد تغيير أماكن الميلاد داخل ملفات أسر ليبية.
وفي مدينة صرمان (غرب)، أمرت النيابة العامة بحبس موظف في السجل المدني بعد ثبوت تواطئه في تسجيل تسعة قيود عائلية مزورة مكّنت 63 أجنبيا من الحصول على أرقام وطنية، وتمكن بعضهم من الحصول على منح مالية مخصصة للأسر الليبية، كما تم توقيف أربعة ممن استخدموا الوثائق المزورة، إلى جانب ملاحقة بقية أفراد الشبكة. وجاءت هذه الوقائع امتداداً لحملة بدأت في مايو/أيار الماضي، حين أعلنت النيابة العامة مراجعة 282 ألف ملف قيد جنسية، وكشفت وجود مخالفات واسعة دفعت إلى إيقاف مسؤولين، وإعادة فحص آليات منح الجنسية بعدما تبين أن التلاعب لم يكن أخطاء إدارية، بل قامت به شبكات من المتلاعبين في مختلف أنحاء البلاد.
ويلفت الباحث في مركز الدراسات الاجتماعية (حكومي) عبد الرؤوف العيساوي، إلى طبيعة الخطر الذي يواجه المجتمع الليبي جراء تزوير الجنسية، معتبراً أن "الأمر لا يقتصر على ما ظهر على السطح في هذه الحوادث من فساد إداري، بل التهديد المباشر لبنية المجتمع، فالسجلات المدنية هي الصمام الأول الذي تتحدد من خلاله هوية المجتمع وتركيبته وحقوق أفراده، وأي خلل فيها يعني أن الدولة تفقد قدرتها على معرفة المواطن من الدخيل".

ويشرح العيساوي لـ"العربي الجديد"، أن "التزوير توسع لثلاثة أسباب رئيسية، أولها الانقسام السياسي الذي أنتج إدارتين ومؤسسات متوازية، ما تسبب في تضارب قواعد البيانات وغياب الرقابة المركزية، وخلق بيئة سمحت بتمرير قيود مزورة، والثاني هو الفراغ الأمني الذي ساد بعد 2011، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تمتد فيها الروابط القبلية مع دول الجوار، ما جعل بعض الشبكات قادرة على إدخال أفراد من خارج الحدود، ومنحهم وثائق ليبية استناداً إلى تشابه الأسماء أو الأنساب، والسبب الثالث هو ضعف البنية التقنية، إذ لا تزال السجلات المدنية في عدد من المناطق تعتمد على دفاتر ورقية يسهل التلاعب بها، ويصعب تتبع التغييرات التي تطرأ عليها، ما يجعل أي موظف قادراً على إدخال بيانات جديدة من دون المرور بأنظمة التحقق".
ويضيف أن "خطورة الظاهرة تتجاوز تغيير جنسية فرد أو عائلة، إذ تحدث تحولاً صامتاً في البنية السكانية عبر إدخال مجموعات غير ليبية إلى شبكة الحقوق الوطنية، ما يشمل الدعم المالي والمزايا الاجتماعية، وأحياناً الحق في التصويت، وهذا يهدد الخريطة الاجتماعية. إدراج أفراد من خارج ليبيا عبر وثائق مزورة قد يؤدي إلى تغييب التوازنات الاجتماعية التقليدية التي ارتكز عليها الاستقرار المحلي لعقود، خصوصاً في المناطق التي تقوم هويتها على الامتداد القبلي المتوارث".
ويثني العيساوي على الحملة القضائية، معتبراً أنها مهمة لإعادة بناء الثقة في سجل المواطنة، كما يثني على التدرج المنهجي الذي اعتمدته النيابة العامة في تتبع شبكات التزوير، لكنه يؤكد على ضرورة التحول الرقمي للسجلات المدنية، وربط كل المكاتب بقاعدة بيانات مركزية، مع مراجعة تشريعية شاملة تطبق معايير واضحة للانتساب الوطني، وتفرض عقوبات رادعة على كل من يعبث ببيانات الهوية.

المساهمون