حملات مكافحة الفساد تهيمن على اهتمامات العراقيين

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:54 (توقيت القدس)
عراقيون يشاهدون مباراة في كأس العالم، 7 يوليو 2026 (صبور رشيد/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- كشفت التحقيقات في العراق عن فساد كبير، حيث صادرت الدولة أموالاً وممتلكات ضخمة من مسؤولين وسياسيين، مما أثار تساؤلات حول حجم الفساد وطرق إخفاء الأموال.
- اعتُبرت هذه التطورات اختباراً لقدرة الدولة على ملاحقة الفاسدين، وأعادت الأمل للعراقيين في محاسبة المستغلين لمناصبهم، مما أثار نقاشات حول مستقبل البلاد وحماية المال العام.
- أحدثت القضية صدمة في الرأي العام، حيث دفعت لإعادة النظر في نزاهة بعض المسؤولين وأثارت شعوراً بالأسف على الأموال المهدورة.

يكاد لا يخلو مجلس عائلي أو مقهى أو مكان عمل في العراق منذ أسابيع من حديث يتكرر بصيغ مختلفة عنوانه "ملف الفساد" الذي فتحته الجهات الأمنية والقضائية، وما كشفه عن أموال وممتلكات صادرتها الدولة خلال التحقيقات التي طاولت مسؤولين وسياسيين. وبينما تتواصل الإجراءات القضائية، تحوّل ملف مكافحة الفساد إلى الحدث الأكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين، متقدماً على ملفات مزمنة مثل الوضع السياسي، والخدمات، وحتى الأخبار الرياضية. ولم يكن حجم القضية أو الأموال المضبوطة وحده ما استوقف العراقيين، بل المشاهد التي رافقت عمليات الضبط؛ خصوصاً حجم رزم الأموال المخبأة داخل الجدران، والأخرى المدفونة في حفر تحت الأرض، إلى جانب الكميات الكبيرة من الذهب والسيارات الفارهة.

وبدت تلك المشاهد المثيرة بالنسبة إلى كثيرين أقرب إلى ما شاهدوه سابقاً في أفلام الجريمة منها إلى واقع يعيشونه، لكنها في الوقت نفسه أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حجم الفساد الذي استنزف ثروات البلاد على مدار سنوات طويلة.
وفي سلسلة من البيانات الرسمية، أظهر مجلس القضاء الأعلى قيمة المبالغ التي عثر عليها في قضية تحقيق مع وكيل وزارة النفط، والبالغة أكثر من 200 مليار دينار، إلى جانب نحو 40 مليون دولار، وأكثر من 375 كيلوغراماً من الذهب، فضلاً عن عدد من السيارات والشاحنات والبيوت والمزارع.
لم تُقرأ هذه التطورات في الشارع العراقي بوصفها أرقاماً مجردة، بل باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على ملاحقة الفاسدين واستعادة المال العام. وبين من يرى أن ما يحدث هو بداية لمسار طال انتظاره، ومن يترقب أن تمتد التحقيقات إلى ملفات أخرى، تبرز قناعة مشتركة بأن فتح ملف الفساد أعاد الأمل لشريحة واسعة من العراقيين حول إمكانية محاسبة من استغلوا مناصبهم للإثراء على حساب ثروات الدولة.
وقال العراقي عمار عبد العزيز، وهو موظف حكومي، إن أكثر ما أثار دهشته ليس قيمة الأموال وحدها، بل طرق إخفائها. موضحاً لـ"العربي الجديد" باستغراب: "كيف تُخفى مليارات الدنانير والدولارات داخل الجدران، أو في حفر تحت الأرض، بينما تعيش آلاف العائلات أوضاعاً اقتصادية صعبة، ويجد كثير من الشباب صعوبة في الحصول على فرصة عمل أو تأمين متطلبات حياتهم اليومية؟ تلك المشاهد تختصر حجم الهوة بين واقع المواطنين وما جمعه الفاسدون من ثروات".
ولا يبتعد هذا كثيراً عن حديث رضا فرحان، العامل في صناعة الحلويات، وقال لـ"العربي الجديد" إن "العراقيين يدركون منذ عقود أن الفساد منتشر، لكن ما كشفته التحقيقات الأخيرة كان أكبر بكثير مما تخيله معظم الناس. حجم الأموال والذهب والممتلكات التي أُعلن عنها شكّل صدمة حقيقية بالنسبة لي، لذا أتابع كل بيان يصدر بشأن القضية، منتظراً معرفة ما ستكشفه الأيام المقبلة".

معدلات الفقر والبطالة مرتفعة في العراق، مارس 2026 (صبور رشيد/Getty)
معدلات الفقر والبطالة مرتفعة في العراق، مارس 2026 (صبور رشيد/Getty)

ولا يقتصر كثيرون على متابعة الأخبار، بل يواصلون نقاشاً يومياً حول مستقبل البلاد، وكيفية حماية المال العام. تعمل سهاد رسول في معمل لإنتاج المواد الغذائية، وأكدت أن غالبية الأحاديث مع زميلاتها في العمل، وكذلك داخل أسرتها، تكاد تتركز منذ نحو شهر على قضية الفساد، وما تكشفه التحقيقات تباعاً. وأضافت لـ"العربي الجديد": "يشعر الجميع بأن هذه الأموال المضبوطة هي أمواله وأموال أبنائه، وكان يفترض أن تُنفق على المدارس والمستشفيات والطرق، وتوفير فرص العمل، لا أن تبقى مخبأة بينما يواجه كثيرون ظروفاً معيشية صعبة".
ولا يقتصر الاهتمام على العائلات ومواقع العمل، بل تبدلت موضوعات تجمعات الأصدقاء خلال الأسابيع الماضية؛ فالأحاديث التي كانت تبدأ عادة بكرة القدم ونتائج المباريات، أصبحت تنتهي دائماً بتفاصيل ملف الفساد وما تكشفه التحقيقات. يعشق محمد صقر (29 سنة) وأصدقاءه كرة القدم، وحرصوا على متابعة مباريات مونديال كأس العالم الأخير، لكنه أكد لـ"العربي الجديد" أن أخبار قضايا الفساد كانت حاضرة دائماً في تجمعاتهم، وأحياناً كثيرة كانت تستحوذ على نقاشاتهم، بل وتطغى على الحديث عن المباريات والمنتخبات.
ويكشف هذا التحول حجم التأثير الذي أحدثته القضية في الرأي العام، إذ لم تعد تُعامل على أنها مجرد خبر سياسي، بل قضية تمس حياة العراقيين ومستقبلهم، وتدفعهم للتساؤل عن حجم الأموال التي كان يمكن أن تغيّر واقع الخدمات ومسار التنمية لو أنها وُجهت إلى مكانها الصحيح.

في نموذج آخر يعكس حالة الصدمة، قالت نرمين حسن، وهي ربة بيت، إنها فوجئت بوجود أسماء لشخصيات كانت تنظر إليها بوصفها مثالاً على النزاهة، قبل أن تجدها ضمن دائرة التحقيقات أو الاتهامات. وأوضحت لـ"العربي الجديد" أن هذا جعلها تعيد النظر في كثير من الانطباعات التي كانت تحملها عن بعض المسؤولين، معبرة عن أملها في أن تكشف التحقيقات الحقيقة كاملة، وأن يتمكن القضاء من معاقبة جميع الفاسدين.
وتتفق معها عالية محمود في الشعور بالأسف، لكنها تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة، قائلة إن "الأموال الضخمة التي عُثر عليها كان يمكن أن تمول مشاريع إنتاجية ومصانع ومجمعات سكنية، أو توفر استثمارات تنتج فرص عمل، وتحقق أرباحاً لأصحابها، وتخدم الناس في الوقت نفسه. إذا كان هؤلاء الأشخاص يمتلكون ثروات بهذا الحجم، فلماذا تُخزن في الحفر، أو خلف الجدران بدل أن تتحول إلى مشاريع تنفع أصحابها والبلاد معاً؟".