حلب: مسنّو الأشرفية والشيخ مقصود بين ألم النزوح وأمل العودة

11 يناير 2026   |  آخر تحديث: 17:39 (توقيت القدس)
يُعَد المسنّون من بين أكثر النازحين هشاشة، حلب، 11 يناير 2026 (أدري ساليدو/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني النازحون من حيّ الشيخ مقصود وحيّ الأشرفية في حلب من ظروف قاسية في مراكز الإيواء، مع نقص في الأدوية والرعاية الصحية، مما يؤثر على صحتهم النفسية والجسدية.
- بدأت الجهود لإعادة الحياة إلى الأحياء المتضررة، مع توفير الخدمات الأساسية وتأمين المناطق، وتجهيز قوافل لعودة النازحين بدعم من المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني.
- أعلنت محافظة حلب عن خطة لإعادة الحياة تدريجياً، تشمل تفعيل المراكز الصحية والمدارس، وتشكيل "اللجنة المركزية لاستجابة حلب" لتنسيق الجهود وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية.

تستمرّ معاناة النازحين من حيّ الشيخ مقصود وحيّ الأشرفية شمالي حلب في مراكز الإيواء، ويبدو ما يعيشه المسنّون منهم قاسياً بصورة خاصة، فيما يترقّبون العودة. فالنزوح بالنسبة إلى هؤلاء يأتي أشبه باقتلاعهم من بيئتهم؛ أحيائهم وطرقاتها، وجيرانهم، وحتى ضجيج صباحاتهم. هم وجدوا أنفسهم فجأة في أماكن غريبة، فيما يرزحون تحت وطأة الشيخوخة ويواجهون البرد والقلق. ومع الإعلان عن بدء العمل لإعادة الخدمات الأساسية إلى الشيخ مقصود والأشرفية، ما يعني اقتراب عودة الحياة تدريجياً إليهما، راح الأمل يتسلّل إلى نفوس هؤلاء السوريين المسنّين.

في مسجد زين العابدين الواقع في حيّ حلب الجديدة، الذي يُعَدّ واحداً من مراكز الإيواء المؤقتة في مدينة حلب، تختلط أصوات الأطفال بأنين المرضى وكبار السنّ. هنا، يجلس حميد الراكان، سبعيني نزح من حيّ الأشرفية، ويحاول التكيّف مع واقع لم يختره. يخبر "العربي الجديد" أنّه اضطرّ إلى مغادرة منزله على عجل، "تاركاً خلفي كلّ ما اعتدته، بما في ذلك أدويتي الخاصة بارتفاع ضغط الدم والسكري"، مشيراً إلى أنّ ذلك منعه من الالتزام بعلاجه على مدى أيام، الأمر الذي انعكس تدهوراً واضحاً على صحته.

يضيف الراكان أنّ معاناته ليست صحية جسدية فحسب، إنّما نفسية كذلك. ويحكي عن شعوره بأنّ "فقدان البيت يعني فقدان الأمان والاستقرار معاً. بالنسبة إليّ، لم يكن البيت مجرّد جدران وسقف، بل مساحة أحفظ تفاصيلها الصغيرة، من درجات السلّم إلى النافذة المطلّة على الشارع، وهي تفاصيل كانت تجعلني أشعر بالسيطرة والطمأنينة". ويؤكد أنّ "العيش في مركز الإيواء يجعلني أشعر بالغربة، كأنّني ضيف ثقيل على المكان وعلى من حوله، على الرغم من كلّ محاولات التكيّف". ويتابع الراكان أنّ "العودة إلى منزلي في الأشرفية تمثّل علاجاً حقيقياً بالنسبة إليّ، وهي لا تقلّ أهمية عن الدواء"، إذ إنّ ذلك يعني "استعادة نمط حياة أعرفه ويحفظ كرامتي. بعد سنوات طويلة في الحيّ، صار جزءاً من ذاكرتي وهويتي".

من جهتها، لجأت السبعينية حنان اليوسف إلى مسجد عمر بن الخطاب في حيّ هنانو بمدينة حلب بعدما نزحت من حيّ الشيخ مقصود. تخبر "العربي الجديد" أنّ "النزوح فاقم معاناتي الصحية"، فهي تشكو من التهاب في المفاصل ازداد سوءاً وسط ظروف قاسية في مراكز الإيواء، بحسب ما تؤكد. وتوضح أنّ "الرطوبة والبرد أثّرا عليّ كثيراً، ولا تتوفّر تدفئة كافية للتخفيف من ألمي، بالإضافة إلى غياب الخصوصية، الأمر الذي يجعل الأيام طويلة وثقيلة".

وتحكي اليوسف عن "ليالي النزوح الصعبة"، إذ "لم يكن الألم الجسدي وحده الذي يحرمني النوم إنّما القلق المستمرّ من المجهول". وتؤكد: "أحياناً، لا أستطيع النوم من شدّة الألم، وأحياناً من التفكير. وأعدّ الساعات للعودة إلى بيتي". ولا تخفي أنّ خبر البدء بإعادة الخدمات إلى حيّ الشيخ مقصود وترميمه أعاد إليها الأمل بعد فترة من اليأس، و"شعرت بأنّ روحي عادت إليّ. لا أريد أكثر من أن أموت في بيتي، بين جدرانه، بعد عمر طويل قضيته هناك".

ويُعَدّ المسنّون، إلى جانب الأطفال والنساء، من أكثر الفئات هشاشة في خلال الأزمات، من بينها النزوح وسط النزاعات المسلحة. وفي هذا الإطار، يقول الطبيب المتخصّص في الغدد الصمّاء مهاب الحسين لـ"العربي الجديد" إنّ "الانتقال القسري من البيئة المألوفة إلى بيئة مؤقّتة يترك أثراً بالغاً، نفسياً وجسدياً، على المسنّين، ويؤدّي في كثير من الأحيان إلى تدهور سريع في حالاتهم الصحية".

يُذكر أنّ كثيرين من المسنّين يعانون من أمراض مزمنة من قبيل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري وأمراض مختلفة في القلب، بالإضافة إلى مشكلات في الحركة وضعف المناعة. وفي حالات النزوح، تنقطع سبل المتابعة الطبية المنتظمة، ويصير من الصعب الحصول على الدواء، وسط ظروف معيشية اقتصادية صعبة في حين أنّ مراكز الإيواء لا تكون مهيأة لتلبية احتياجات المسنّين.

ويشير الحسين إلى أنّ "الحديث عن عودة الخدمات إلى حيّ الأشرفية وحيّ الشيخ مقصود يمثّل عاملاً نفسياً إيجابياً مهماً" بالنسبة إلى المسنّين، شارحاً أنّ "الأمل بالعودة والاستقرار يؤدّي دوراً علاجياً". لكنّه يرى "وجوب أن يترافق ذلك مع تأهيل البنية الصحية، وضمان وصول الأدوية، وتوفير دعم خاص للمسنّين في مراكز الايواء وعند عودتهم" إلى بيئتهم الأصلية.

قضايا وناس
التحديثات الحية

في سياق متصل، يقول عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حلب ملهم عكيدي لـ"العربي الجديد" إنّ "العودة الفعلية إلى حيّ الأشرفية وحيّ بني زيد بدأت منذ يوم أمس السبت، بحضور محافظ حلب. وقد استُقبلت قافلة أولى تقلّ عائدين من مراكز الإيواء"، مشيراً إلى أنّ "الجهود تتركّز حالياً على تجهيز قافلة أولى للعودة إلى حيّ الشيخ مقصود، وذلك في خطوة تهدف إلى استكمال عودة الأهالي إلى مناطقهم".

ويوضح عكيدي أنّ "إجراءات التحضير للعودة الآمنة بدأت بعد الانتهاء الكامل من العمليات الأمنية والعسكرية، لافتاً إلى أنّ وحدات الهندسة المختصة عمدت إلى تأمين المناطق المعنية والكشف عن أيّ مخلفات حرب أو ألغام محتملة فيها". يضيف أنّ "وحدات مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث باشرت عملها عقب ذلك، قبل أن تدخل آليات مجلس المدينة لفتح الطرقات المتضرّرة وتوفير الخدمات البلدية الأساسية".

ويتحدّث عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حلب عن "انتشار قوى الأمن الداخلي وفرق الطوارئ والكوارث بهدف تأمين الأهالي العائدين وتوجيههم، ولا سيّما أنّ ثمّة شوارع ما زالت غير آمنة"، مضيفاً أنّ "محافظة حلب أصدرت تعاميم عدّة دعت فيها العائدين إلى الالتزام بتوجيهات الجهات الرسمية والمديريات المعنية حرصاً على سلامتهم".

ويبيّن عكيدي أنّ "محافظة حلب وجّهت مختلف المديريات الخدمية لتقييم واقع البنية التحتية في الأحياء المعنيّة؛ فدخلت مديرية الكهرباء لتقييم حالة الشبكة وتنفيذ تدخّلات إسعافية، كذلك تفقّدت مديرية التربية المدارس، وأجرت مديرية الصحة جولات على المراكز الصحية لتحديد احتياجاتها". ويلفت إلى أنّ "الخدمات والبنية التحتية كانت في وضع سيّئ في الفترة الماضية، الأمر الذي يجعل تأهيلها وتحسينها أولوية ملحّة في المرحلة المقبلة".

ويتابع عكيدي أنّ "محافظة حلب عملت، بالتوازي مع ترتيبات العودة، لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، في ظلّ النقص الذي شهدته الأحياء في الأيام الأربعة التي سبقت الهدوء. وقد جرى توفير مواد أساسية، من بينها الخبز وحليب الأطفال وغيرهما من المستلزمات الضرورية". ويشدّد على "دور المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني التي ساهمت في تقديم المساعدات، وانتشار عشرات المتطوّعين في حيّ الأشرفية وحيّ بني زيد لدعم الأهالي المقيمين والعائدين على حدّ سواء". وإذ يؤكد عكيدي أنّ "العمليات الأمنية انتهت كلياً"، يلفت إلى أنّ "التحدي الأمني الوحيد المتبقي يكمن في المخلفات الحربية، في مقدّمتها الألغام"، ويدعو "الأهالي إلى الابتعاد عن أيّ جسم مشبوه والتبليغ عنه فوراً للجهات المختصة".

وكانت محافظة حلب قد أعلنت، أمس السبت، عن إطلاق خطة لإعادة الحياة تدريجياً وانتظام الخدمات الأساسية في حيّ الأشرفية وحيّ الشيخ مقصود وكذلك في حيّ بني زيد، عقب استعادة السيطرة عليها. جاء ذلك في مؤتمر صحافي عقده محافظ حلب عزام الغريب في المدينة، بحضور وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات ووزير الإعلام حمزة المصطفى. وأشار الغريب إلى أنّ استعادة السيطرة على هذه الأحياء الثلاثة أتاحت الشروع الفوري في تفعيل المراكز الصحية فيها، وعودة الكوادر الطبية إلى عملها، إلى جانب إطلاق العمل الخدمي في حيّ الشيخ مقصود اعتباراً من السبت.

كذلك لفت المحافظ إلى تشكيل "اللجنة المركزية لاستجابة حلب" التي تضمّ مختلف المديريات الخدمية، بهدف تنسيق الجهود وتسريع وتيرة الاستجابة في المناطق التي جرى تأمينها. وأضاف الغريب أنّ محافظة حلب جهّزت حافلات لنقل الأهالي الراغبين في العودة إلى بيوتهم، مشيراً إلى استقبال نحو 155 ألف نازح من الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في خلال فترة التصعيد الأخيرة. وشدّد على أنّ الجهات المعنية ماضية في فرض الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة لعودة الحياة الطبيعية، بما يشمل إعادة تفعيل المراكز الصحية والعمل على تجهيز المدارس تمهيداً لاستئناف العملية التعليمية.

المساهمون