استمع إلى الملخص
- تعمل السلطات المحلية على إجلاء المدنيين وتوفير مراكز إيواء مجهزة، مع إعادة الخدمات الأساسية تدريجياً رغم التحديات اللوجستية ورفض بعض الأسر مغادرة منازلها.
- تواجه المدينة تحديات كبيرة في إعادة الحياة إلى طبيعتها بسبب دمار البنية التحتية، مع استمرار جهود الحكومة لتأمين السلامة وإعادة الخدمات وسط مخاوف السكان من تجدد القتال.
لم يكن المدنيون في أحياء حلب طرفاً في الاشتباكات التي شهدتها المدينة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خلال الأيام الماضية، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلب الصراع. وخلف الأبواب المغلقة، عاش كثيرون ليالي طويلة من الخوف والرهبة، فلم يعد المنزل ملاذاً آمناً، بل تحوّل إلى مساحة ضيقة للنجاة المؤقتة، بينما بات الجميع عالقين بين الرصاص، أو في حيرة بين البقاء في منازلهم والمخاطرة بالخروج بحثاً عن الأمان.
بدت الصدمة واضحة في صوت الشاب أزدشير وهو يكرر جملة واحدة: "لم يسمحوا لنا بالخروج". خرجت كلماته مكسورة، محمّلة بصدمة أكبر من أن يحتملها، إذ لم يكن يملك تفسيراً لما جرى سوى أن النيران وُجهت نحو المدنيين من دون تمييز. ويقول لـ"العربي الجديد" إنه لم يذق طعم النوم طوال تلك الأيام، مضيفاً: "بالنسبة لي، لم تكن الحرب جبهة مفتوحة، بل حصاراً داخل المنزل، وتجربة ستترك أثرها العميق في ذاكرتي".
ويروي محمد منان قصة مشابهة، لكن بصوت أكثر إنهاكاً، حيث كان محاصراً في منزله، عاجزاً عن الخروج أو تأمين أبسط احتياجاته. ويقول لـ"العربي الجديد": "الوضع سيئ.. أنا مريض وأحتاج إلى دواء ودفء". لم يكن يطلب أكثر من ذلك، لكن البرد والخوف ونقص العلاج اجتمعت كلها في آن واحد، بينما بقي الخروج حلماً مؤجلاً، مرتبطاً بانتهاء القتال أو بتدخلٍ ينقذ من بقي داخل البيوت.
تمثل هذه الشهادات جزءاً من صورة أوسع لمعاناة المدنيين في أحياء حلب، حيث تحوّلت الحياة اليومية إلى اختبار قاسٍ للبقاء، في حرب لم تترك لهم خياراً سوى الانتظار أو النجاة بأعجوبة. وما يزيد الأزمة تعقيداً، بحسب الأهالي، هو العجز عن تأمين ضروريات الحياة خلال أيام الاشتباكات، من طعام ودواء وماء نظيف، في حين يتكبدون عناء الرصاص والقصف بشكل يومي.
في هذا الإطار، أشار نائب محافظ حلب علي حنورة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن المحافظة موجودة حالياً في منطقة "الشيخ رز" القريبة من حي الشيخ مقصود لمتابعة العملية العسكرية التي تقوم بها وزارة الداخلية، والتي دخلت مراحلها الأخيرة.
وأوضح حنورة أن بقاء بعض عناصر "قسد" ضمن الحي أدى إلى اندلاع اشتباكات وأثار الذعر لدى المدنيين، مؤكداً أن المحافظة تعمل على إجلاء الأهالي بأمان. ولفت إلى أن الجهات المعنية وفرت أسطول حافلات لنقل العائلات إلى مراكز إيواء أُعدت مسبقاً، وجُهّزت بخدمات التدفئة والإطعام والمبيت. وبيّن المسؤول المحلي أن للمدنيين حرية الاختيار بين البقاء في مراكز الإيواء أو الانتقال إلى أقاربهم في المدينة، مشدداً على أن الهدف الأساسي هو سلامة المواطنين، وأن المحافظة لن تجبر أحداً على الخروج. وقال: "سلامة المواطنين السوريين فوق أي اعتبار، ومن يرغب بالبقاء سيكون بأمان، ونحن مستمرون معهم حتى يطمئنوا".
حلب مدينة العيش المشترك
من جانبه، أكد محافظ حلب عزام الغريب أن المدينة التي تشتهر تاريخياً بالعيش المشترك تعمل على إعادة الخدمات الأساسية تدريجياً. وأوضح أن العمل جارٍ لتجهيز المدارس لاستئناف العملية التعليمية وتفعيل المراكز الصحية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، إضافة إلى تأمين دخول المؤسسات الحكومية لتنظيم عودة الأهالي. وأشار الغريب إلى أن المحافظة تواصلت مراراً مع مخاتير الأحياء لإدخال المساعدات الإنسانية، متحدثاً عن "رفض قسد دخول هذه المساعدات سابقاً"، ومشدداً على أنه "ليست لدينا أي نيات انتقامية، ومن ارتكب الجرائم سيحاكم وفق القوانين".
في المقابل، يشير مراقبون وناشطون في المدينة إلى أن عمليات الإخلاء، رغم أهميتها، لا تزال تواجه تحديات لوجستية كبيرة، أبرزها رفض عدد كبير من الأسر مغادرة منازلها خشية فقدان ممتلكاتها أو مواجهة ظروف صعبة في مراكز الإيواء.
وتوضح مصادر محلية لـ"العربي الجديد" أن بعض الأهالي يفضلون البقاء في منازلهم رغم الخطر، بينما يقبل آخرون الانتقال إلى المراكز لتلقي المساعدات الأساسية، خصوصاً في ظل الشتاء القارس. كما أن إعادة الحياة إلى طبيعتها بعد أسابيع من الحصار والمعارك لن تكون أمراً سهلاً؛ حيث إن البنية التحتية في الكثير من الأحياء مدمرة، وإمدادات الكهرباء والمياه محدودة. ويلفت الأهالي إلى أن الأثر النفسي الناتج عن فقدان أفراد من العائلة أو إصابة الجيران لا يزال يرافقهم حتى بعد توقف المعارك المباشرة.
وتأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية معلنة لتأمين السلامة وإعادة الخدمات، مع التركيز على المدنيين بوصفهم أولوية. ففي الشيخ مقصود، كما في الأحياء الأخرى، تتراوح هواجس السكان بين الخوف من تجدد القتال، وبين رغبتهم الملحّة في استعادة حياة شبه طبيعية تضمن لهم أبسط مقومات البقاء.