حفلات التخرج عبء إضافي على الأسر في تونس

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:27 (توقيت القدس)
تُنفق أموال على احتفالات التخرّج اليوم، 2 فبراير 2024 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

لا تقتصر فرحة النجاح الجامعي في تونس على تسلّم الشهادة والتقاط صورة تذكارية مع الأصدقاء والأساتذة، فهي مناسبة تتطلّب ميزانية خاصة وتحضيرات لأسابيع.

في السنوات الأخيرة تحوّلت حفلات التخرج في تونس إلى طقس اجتماعي جديد يفرض على الأسر دفع مبالغ مالية لاقتناء الملابس الخاصة بحفلات التخرج، وتنظيم موائد للحلويات، وتوفير الزينة، والتقاط الصور الاحترافية، ما قد يضطر العائلات إلى الاستدانة لإرضاء أبنائهم، والانخراط في هذه الطقوس المستحدثة. وبالرغم من محاولات بعض المؤسسات الجامعية الحدّ من هذه المظاهر أو تنظيمها بشكل أكثر بساطة، تستمر الظاهرة في الانتشار بشكل لافت، بتأثير ما تتضمنه شبكات التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع فيديو توثق حفلات فخمة، وتقدمها باعتبارها جزءاً أساسياً من تجربة التخرج.

تخبر فاتن الخياري (52 سنة)، وهي موظفة وأم طالبة تخرّجت هذا العام من إحدى الجامعات الحكومية، "العربي الجديد"، بأن فرحتها بنجاح ابنتها اختلطت بالقلق، بسبب المصاريف الإضافية التي فرضتها المناسبة، فهي لم تتوقع أن التخرج يحتاج إلى تحضيرات كبيرة، إذ اضطرت مع زوجها لتوفير نفقات طارئة لشراء ملابس جديدة ارتدتها ابنتهما أثناء مناقشة مشروع التخرج أمام لجنة الامتحانات، وأيضاً الزي الخاص بالمتخرجين، كما دفعا ثمن جلسة التصوير، واشتريا حلويات ومشروبات. وتجاوزت المصاريف 900 دينار (310 دولارات).

وتتذكر فاتن ذكريات حفل تخرّجها من الكلية قبل أكثر من 30 سنة، وتقول: "لم يكلف تخرجي أسرتي مليماً واحداً. اكتفيت مع زميلاتي في المبيت الجامعي بالاحتفال بأبسط الإمكانيات، ولا أزال أحتفظ ببعض الصور والذكريات الجميلة". ورغم أنها انخرطت في ما "تصفه بأنها موجة الاحتفالات المكلفة"، تؤكد فاتن أنه لم يكن لديها خيار آخر، لأنها لا تريد أن تحرم ابنتها البكر من الاحتفال على طريقتها، وفق ما تفرضه الحياة الاجتماعية الجديدة.

الصورة
ينخرط الأهالي في مظاهر الاحتفالات بالتخرج المدرسي، 8 يونيو 2022 (ياسين قايدي/ الأناضول)
ينخرط الأهالي في مظاهر الاحتفالات بالتخرّج، 8 يونيو 2022 (ياسين قايدي/ الأناضول)

من جهتها، تتحدث فادية الشواشي لـ"العربي الجديد" عن أن ابنتها أصرّت على إقامة احتفال مماثل لما شاهدته لدى زميلاتها على مواقع التواصل. وتقول: "كنت سعيدة بنجاحها، لكنني اضطررت إلى الاقتراض كي لا تشعر بالنقص مقارنة بصديقاتها". وبحسب تقديرات الأسر في تونس تتراوح كلفة الاحتفال بالتخرج بين 300 و1500 دينار (بين 110 و510 دولارات)، وقد ترتفع أكثر في بعض الحالات. وتشمل المصاريف عادة شراء أو استئجار زي التخرج، وجلسة تصوير احترافية، إلى جانب جلب حلويات ومرطبات ومشروبات وديكورات.

وتؤكد مرام حاج سعد، وهي طالبة حديثة التخرج، أن غالبية الطلاب أصبحوا يعتبرون الحفل جزءاً من النجاح نفسه. وتقول لـ"العربي الجديد": "عندما ترى صور زملائك على إنستغرام وفيسبوك تشعر بأنك مطالب بفعل الأمر ذاته. لم يعد ينحصر الحدث في مجرد الحصول على شهادة، بل أصبح هناك ضغط لإظهار هذه اللحظة بطريقة مميزة".

وتخلق حفلات التخرج نشاطاً اقتصادياً متكاملاً، وأسواقاً باتت متخصصة في بيع مستلزمات هذا الصنف من المناسبات، حيث تقدم محالّ هذه الأسواق نماذج متعددة لمستلزمات الاحتفال وديكورات خاصة به، إلى جانب ظهور صفحات تنظيم الحفلات، ومحال الحلويات، والتصوير الفوتوغرافي التي تستغل موسم التخرج للترويج لخدماتها، عبر نشر صور لاحتفالات فخمة، وعروض تسويقية تستهدف الطلاب وعائلاتهم.

وبسبب الجدل الذي تثيره هذه الممارسات داخل بعض المؤسسات الجامعية التي اعتبرت أن المبالغة في الاحتفالات قد تعمّق الفوارق الاجتماعية بين الطلاب، أصدرت كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية قراراً بمنع تقديم أي هدايا أو مرطبات خلال مناقشة مذكرات الماجستير والأطروحات. ومنعت إدارة الجامعة إدخال المشروبات والمرطبات إلى الكلية خلال المناقشات، معتبرة أن المناقشة تُعدّ لحظة علمية أكاديمية ولا يجب إفراغها من مفهومها باعتبارها امتحاناً علنياً، على أن يكون الطابع الاحتفالي خارج أسوار الكلية". 
أيضاً أصدرت كليات أخرى توصيات تدعو إلى الاقتصار على الحفل الرسمي داخل المؤسسة، من دون تنظيم مظاهر احتفالية مكلفة، بينما فضّلت مؤسسات توحيد اللباس، أو تنظيم احتفال جماعي لتقليص النفقات.

ويرى عدد من الأساتذة أن الجامعة يفترض أن تكون فضاءً للمساواة، وأن تحويل التخرج إلى مناسبة استعراضية قد يضع الطلاب المنحدرين من عائلات محدودة الدخل في وضع محرج. ويقول الباحث في علم الاجتماع فؤاد الغربالي لـ"العربي الجديد" إن حفلات مناقشة أطروحات التخرج تُستهلك رمزياً وتتحوّل إلى اعتراف اجتماعي، واعتبر أن قرار بعض الجامعات حصر الاحتفالات يُخفف الأعباء المالية عن الطلاب، ويكرّس مبدأ المساواة بينهم.

ويوضح المتحدث أن احتفالات التخرج المكلفة جزء من التحولات التي شهدها المجتمع في تونس خلال العقد الأخير، ويقول إن "حفلات التخرج بصيغتها الحالية تمثل أحد أشكال الاستهلاك الرمزي، حيث لا يقتصر الهدف على الاحتفال بالنجاح، بل يتعداه إلى البحث عن الاعتراف الاجتماعي، وإبراز المكانة داخل المجموعة". يضيف أن "وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في نشر هذه الممارسات من خلال خلق نماذج موحدة للنجاح والسعادة، ما يدفع الأفراد إلى تقليدها حتى إذا كانت تفوق إمكاناتهم المادية".

ويشير إلى أن العائلات أصبحت تخشى أن يشعر أبناؤها بالإقصاء أو الاختلاف عن أقرانهم، فتقبل بتحمّل مصاريف إضافية رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. يتابع: "رغم تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة تبدو حفلات التخرج مرآة لتحولات أعمق يعيشها المجتمع التونسي، حيث تغدو المناسبات الشخصية فضاءات للتنافس الاجتماعي، وإبراز المكانة أكثر من كونها لحظات للاحتفال البسيط بالإنجاز".