استمع إلى الملخص
- حادثة قتل طائر مهاجر في السودان، الذي زُوّد بأجهزة تتبع لأغراض بحثية، أثارت جدلاً واسعاً، حيث اعتُبر جاسوساً في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، مما يبرز الجهل والعداء للطبيعة.
- تفاعل مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي مع الحادثة، مشيرين إلى أن الحرب في السودان تفتقر للنظام وتُظهر سيادة الجهل، مما يهدد البيئة والبحث العلمي.
في ثقافتنا المحلية يصفون الجاهل بـ"الطيرة"، أي مجرد طائر، ظناً منهم أن الطيور لا تفقه شيئاً، ولا تُحسن الظن، لكونها بلا عقل، على عكس البشر، فيما هي عند مَن يدركون معنى الحياة (أمم أمثالكم)، بل قد تفوقنا حين نجد أنّها تترفع عن الصغائر، ولا تُعير الحدود السياسية بين الدول أهمية، إذ ترى كوكب الأرض بأكمله وطناً واحداً، تتوزع فيه الموائل كما شاء لها الخالق، لتميّز بما لها من فطرة أين تكون هناك اليوم، ومتى تمضي هناك.
وللمغني السوداني الشهير، مصطفى سيد أحمد، أغنية تنادي بحرية الفرد، إلى حد أن يكون "مع الطيور الما بتعرف ليها خارطة.. ولا في إيدها جواز سفر". نداء يشِي بالوعي الكبير بمكنونات الكون... ولكن...
ماذا نفعل مع الجهل الذي يتجاوز عداء النفس البشرية إلى عداء الطبيعة؟
فالجاهل ليس بعدوٍ لنفسه فحسب، إذ إنّه، بعد أن يُلغي ويستبدل سلاح القلم والعلم بالسلاح الناري، تجده يجهد في إلغاء الآخر، وإنهاء حياته، ويعلن ذلك في زهوٍ حين يقف أمام كاميرا الهاتف النقّال الذي وفّره العلم، لينقل للعالم ما يظنّه انتصاراً على عدوّه.
قبل أيامٍ، أمسك بعض المقاتلين بطائرٍ مهاجر زوّدته إحدى الجهات البحثية بأجهزة تتبّع وقياس معروفة الاستخدام من قبل علماء البيئة والطيور المهاجرة، تُستخدم فيها أحدث التقنيات للرصد الفلكي، بغية تحديد اتجاهات الطيران، خصوصاً الطيران الليلي.
وفي ذلك، يتعاون الباحثون مع محطات أرضية تتّصل بالأقمار الصناعية. وتزايدت مثل هذه الأنشطة أخيراً بسبب تأثيرات تغير المناخ في كل ما هو طبيعي. مثلما هي رحلة ذلك الطائر الذي قتلوه وصوّروه على أنّه مرسَلٌ من العدو لرصد تحرّكاتهم، والتجسّس عليهم. وكان المتحدث في ذلك الفيديو القصير قد ختم حديثه بأنّه "حتّى وإن لم يكن جاسوساً عليهم، فقد إنجغم"، أي إنه قد قُتل "نكايةً" في مَن أرسله.
لم تكن الحادثة الأولى التي يُغتال فيها طائر مهاجر، لكنّها وجدت صدىً واسعاً بسبب ارتباطها بهذه الحرب العبثية التي ظلّت مشتعلة في السودان منذ 15 إبريل/ نيسان 2023، مؤكدةً أنّ البيئة أكبر الضحايا المنسيّين. فقد تهكّم البعض لأنّ عِلم التجسّس تطوّر، وبات بلا حاجة لتوظيف طائر، فأجهزة محاكاة الطيران (الدرون) صارت في متناول الجميع، مثلما تطوّر توظيفها من جمع المعلومات وتحليلها وإرسالها إلى تفجير المواقع بدقة متناهية.
ظلّ شاغلو منصات التواصل الاجتماعي يتساءلون عن الجهة البحثية التي أرسلت الطائر، لا عن أولئك الجنود، ولا مواقع وجودهم. ما يعني أنّ الكثيرين قد أدركوا خطر ما يحدث، بل ظلّ البعض ينادي بتنبيه المراكز العلمية إلى أنّ حالة حرب السودان ليس لها مثيل، من حيث الفوضى وسيادة الجهل.
أمَا كفاكم يا هؤلاء الإفساد في الأرض، حتى يصل عبثكم وإفسادكم إلى الفضاء وعابِريه؟