حرب الصراصير

18 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
دور غير مرئي للصراصير في التوازن البيئي، يونيو 2011 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يواجه صديقي تحديًا بين مبادئه البيئية وضرورة حماية أسرته من الصراصير التي تحتل منزله، مما يعكس صراعًا بين حق الكائنات في الوجود وحق الإنسان في الطمأنينة.

- تُستخدم الصراصير كأداة إقصاء في الخطاب السياسي، كما حدث في الهند عندما وصف رئيس المحكمة العليا الشباب الغاضبين بـ"الصراصير"، مما أثار جدلاً واسعًا وأدى إلى تشكيل حزب الصراصير.

- تطرح القصة تساؤلات حول تشبيه البشر بالصراصير لنزع إنسانيتهم، وتبرز أهمية الكائنات في التوازن البيئي رغم الإهانات التي تواجهها.

أجبرت ظروف الحرب واللجوء صديقي على مواجهة صراصير وجَدها تحتل بيتاً قديماً سكنه مُجبراً، ليجد نفسه في نزاع بين قناعاته البيئية التي تحرّم عليه الاستخدام المفرط للمبيدات، وبين ضرورة تهدئة الهلع الذي تسبّبه الحشرات حين تظهر فجأة بين أواني المطبخ، لذا ظل يراقبها وهي تتحرك بخفة، كأنها تعلن سيادتها على المكان، بينما يحاول أن يوازن بين حقها في الوجود وحق أسرته في الطمأنينة.
طمأنته بأن الصراصير لم تكن تحاصره وحده، بل تحاصرنا جميعاً، حتى في اللغة اليومية، ففي عالم السياسة، تُستدعى هذه الحشرة كلما أراد طرف ما أن يحطّ من قدر خصومه. يحدث ذلك في كل مكان، من خطابات الحرب إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن الحملات الانتخابية إلى غرف الأخبار. فالصرصور في الخيال الجماعي أضحى أداة إقصاء.
ولعل ما حدث في الهند مؤخراً مثال صارخ على ذلك، حين وصف رئيس المحكمة العليا جماعات من الشباب الغاضبين بأنهم "طفيليات" و"صراصير" فشلوا في الحصول على وظائف، ليتفجر الغضب على منصات التواصل، وفي خضم هذا الغليان، كتب الشاب أبهيجيت ديبكي تغريدة ساخرة تقول: "ماذا لو اجتمعت كل الصراصير معاً؟". 
لم يكن الأمر مزحة، إذ تحوّلت العبارة إلى كرة نار سياسية، ونشأ على الأثر حزب الصراصير، وتحول المزاح إلى تهديد، بينما النظام في حالة ارتباك، حتى إن السلطات حجبت حسابات مرتبطة بالحملة التي نظّمها الحزب، ما دفع منظمة الدفاع عن الحرية الرقمية إلى وصف الخطوة بأنها "إساءة صارخة لاستخدام سلطة الدولة".
لم تتوقف القصة عند حدود الهند، بل تجاوزتها لطرح سؤال أكبر، هو لماذا نلجأ إلى تشبيه البشر بالصراصير كلما أردنا نزع إنسانيتهم؟ ولماذا ترتعب الأنظمة من مزحة، بينما لا ترتعب من تداعيات البطالة أو الفقر أو الفساد؟

في الخرطوم، 19 يونيو 2022 (أشرف الشاذلي/فرانس برس)
موقف
التحديثات الحية

أبلغت صديقي بأنني أعدّ العدة لأكتب عن عدد من الكائنات التي نراها أقل من أن تعيش، أسميته "لا تزدرني"، أتحدث فيه عن كل حشرة أو حيوان أو شجرة مزدراة بلغة درامية، عن كم الإهانات التي نوجهها لها نحن البشر، بينما هناك أدوار تؤكد أنها لم تُخلق عبثاً، وأن لها دوراً في التوازن البيئي.
كان عليّ أن أدرك أن الحرب التي نعيشها لا تُقاس بمعاناتنا كبشر، بل بالمعاني التي تتشوّه على الأثر، فالصراصير التي نطاردها في المطابخ لا تملك نيّة للإيذاء، ولا مشروعاً سياسياً، ولا خطاباً عدائياً، بل تبحث عن فتات حياة، وتساعدنا على التخلص مما نبقيه إهمالاً. 
ربما لن تنتهي حرب الصراصير في بيت صديقي قريباً، وربما سيظل يبحث عن حل يرضي أسرته ولا يخون مبادئه البيئية.

(متخصص في شؤون البيئة)