حرائق فرنسا: هدوء حذر في الجنوب الغربي والنيران تمتد إلى مناطق جديدة
- تم إجلاء 224 ألف شخص، وعاد 57 ألفاً إلى منازلهم، وتأثرت حركة النقل بتعليق القطارات. شارك 3300 رجل إطفاء في مكافحة الحريق، وأصيب 126 منهم، وتضرر 240 منزلاً.
- امتدت الحرائق إلى مناطق أخرى، مع استمرار الإنذارات بسبب موجة الحر. تعكس الحرائق تأثير التغير المناخي، حيث تجاوزت المساحات المتضررة 116 ألف هكتار هذا العام.
ظلّ الحريق الضخم المشتعل منذ أكثر من أسبوع في إقليم جيروند، جنوب غربي فرنسا، مستقراً حتى صباح اليوم الخميس، بعدما شهدت المنطقة ليلة وصفتها المحافظة بأنها كانت "هادئة نسبياً"، من دون أن تعلن رسمياً احتواء الحريق أو السيطرة عليه بشكل كامل.
وفي الوقت نفسه، واصلت فرق الإطفاء عملياتها لاحتواء النيران، مركزة جهودها على معالجة أطراف الحريق والبؤر التي عاودت الاشتعال، تحسّباً لأي تمدد جديد. كما أبقت السلطات القيود المفروضة على حركة المرور ومنعت الدخول إلى المناطق القريبة من موقع الحريق.
ولم تتسع رقعة الحريق منذ يوم الاثنين الماضي، إذ استقرت المساحة المتضررة عند نحو 42 ألف هكتار، ما يُعدّ تطوراً إيجابياً نسبياً، بعدما أثارت الحرارة الشديدة التي شهدتها المنطقة، أمس، مخاوف من اشتعال النيران. وتجاوزت درجات الحرارة 40 مئوية في مناطق واسعة من جنوب غربي فرنسا، ووصلت إلى 42 درجة في إحدى بلدات جيروند، فيما تعاملت فرق الإطفاء مع نحو عشر بؤر تجددت فيها النيران أمس وحتى ساعات الليل، ولا سيما بالقرب من الساحل الأطلسي.
وشهدت الجبهة الجنوبية للحريق أخطر تطوراتها بعد ظهر الأربعاء، بعدما تقدمت ألسنة اللهب على نحو مباغت نحو تجمعات سكنية في منطقة خليج أركاشون، قبل أن يتمكن الإطفائيون، بدعم من طائرات مكافحة الحرائق والمتطوعين، من احتواء تقدمها خلال ساعات. وقالت محافِظة المنطقة، صوفي بروكا، مساء الأربعاء، إن استمرار استقرار الوضع قد يسمح بمزيد من التفاؤل، ويمهد لعودة تدريجية إلى الأوضاع الطبيعية.
ولم تعلن المحافظة، حتى صباح اليوم الخميس، السماح بعودة مزيد من السكان إلى منازلهم، بعدما كانت قد أذنت لنحو 57 ألف شخص من سكان ثلاث مدن قريبة من بوردو بالعودة خلال الأيام الماضية. ومنذ اندلاع الحريق في 22 يوليو/تموز الجاري، اضطر أكثر من 224 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم أو أماكن إقامتهم السياحية.
وامتدت تداعيات الحريق إلى قطاع النقل، إذ مددت الشركة الوطنية للسكك الحديدية تعليق حركة القطارات السريعة جنوب مدينة بوردو حتى الأحد المقبل، في ظل استمرار خطر تجدد النيران، وعدم تمكن الفرق الفنية حتى الآن من التحقق الكامل من سلامة خطوط السكك الحديدية في المناطق المتضررة.
وتتوقع السلطات أن تكون الظروف الجوية اليوم أكثر ملاءمة لعمل فرق الإطفاء، مع احتمال هطول زخات مطر محدودة وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة مقارنة بيوم أمس. وأفادت هيئة الأرصاد الجوية بأن درجات الحرارة لن تتجاوز 27 مئوية قرب الساحل الأطلسي، و34 درجة في مدينة بوردو، فيما رُفعت حالة الإنذار البرتقالي المرتبطة بموجة الحر في جيروند وإقليم لاند المجاور، مع استمرار التحذير من عواصف رعدية تتأهّب لها فرق الإطفاء، تحسّباً لتسببها في اندلاع بؤر حرائق جديدة.
وارتفع عدد رجال الإطفاء المشاركين في مكافحة الحريق تدريجياً خلال الأيام الماضية، ليصل اليوم إلى 3300 عنصر، تدعمهم 24 طائرة ومروحية مخصصة لعمليات الإخماد. وفي المقابل، ارتفع عدد المصابين في صفوف فرق الإطفاء إلى 126، بينما دمّرت النيران أو ألحقت أضراراً بنحو 240 منزلاً، من دون تسجيل أي وفيات بين المدنيين.
وأعلنت السلطات توقيف شخصين خلال ليل الأربعاء-الخميس للاشتباه في تسببهما بإشعال حريق، من دون أن توضح ما إذا كانت الواقعة مرتبطة بالحريق الرئيسي في إقليم جيروند أو بإحدى البؤر التي تجددت أمس. ويأتي ذلك بعدما أعلنت الحكومة الفرنسية، مساء الأربعاء، توقيف 263 شخصاً منذ 28 يونيو/حزيران الماضي، في إطار تحقيقات تتعلق بحرائق اندلعت في مناطق مختلفة من البلاد.
من جهة أخرى، واصلت فرق الإطفاء، صباح اليوم الخميس، مكافحة عشرات الحرائق المندلعة في مناطق متفرقة من فرنسا. ففي إقليم فار، جنوب شرقي البلاد، أعلنت السلطات السيطرة على الحريق الذي اندلع فجر اليوم قرب مدينة برينيول، بعدما أتى على نحو 130 هكتاراً من الأراضي وأجبر عشرات السكان على الإخلاء. ورغم احتواء الحريق، أبقت السلطات نحو 200 رجل إطفاء في الموقع تحسباً لتجدد النيران، فيما أُصيب ثلاثة من عناصر الإطفاء، من دون تسجيل أي إصابات بين المدنيين.
وفي غابة فونتينبلو، الواقعة على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب شرقي باريس، تمكنت فرق الإطفاء من السيطرة على بؤرة حريق جديدة أتت على ستة هكتارات عند أطراف المنطقة التي اجتاحها حريق كبير منتصف الشهر الجاري، وأسفر حينها عن احتراق نحو 2050 هكتاراً من أكبر الغابات استقطاباً للزوار في فرنسا. وفي إقليم كوت دور، شرقي البلاد، أعلنت السلطات أيضاً احتواء حريق اندلع فجر اليوم قرب مدينة ديجون، بعدما امتد سريعاً إلى أكثر من 140 هكتاراً، فيما أسفر عن إصابة أربعة من رجال الإطفاء.
وفي حين تراجعت درجات الحرارة بشكل ملحوظ في غرب فرنسا، بقي 21 إقليماً في شرق البلاد وجنوبها الشرقي، إضافة إلى جزيرة كورسيكا، تحت الإنذار البرتقالي بسبب موجة الحر. كما رفعت هيئة الأرصاد الجوية مستوى خطر حرائق الغابات إلى الدرجة القصوى في إقليمي موزيل ومورت إي موزيل، شمال شرقي البلاد، ووضعته عند مستوى مرتفع في 29 إقليماً آخر، في مؤشر على انتقال الخطر إلى مناطق جديدة، بعيداً عن بؤر الحرائق الرئيسية في جيروند وفار.
وقالت رئيسة هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، فيرجيني شفارتز، في تصريح لإذاعة "فرانس أنتير" صباح اليوم، إن تزايد عدد الحرائق وحدّتها يُعد من أبرز مظاهر تأثير التغير المناخي، مشيرة إلى أن فرنسا شهدت خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية موجات حر وحرائق بوتيرة تفوق ما سجلته خلال العقود الستة السابقة.
وتعكس حصيلة العام الجاري حجم هذا التحول، بعدما تجاوزت المساحات التي أتت عليها الحرائق 116 ألف هكتار، متخطيةً الرقم القياسي السنوي المسجل عام 2022، رغم أن موسم حرائق الغابات لا يزال مرشحاً للاستمرار شهرين آخرين على الأقل. وكان وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، قد وصف حرائق هذا العام بأنها "غير مسبوقة واستثنائية"، فيما بات حريق جيروند الأكبر الذي تشهده فرنسا منذ عام 1949.