استمع إلى الملخص
- اتخذت إجراءات قانونية ضد قادة المليشيا، بما في ذلك القبض على محمد ميلاد الأزرق، المتهم بجرائم قتل جماعية، مما يعكس الجهود لمحاسبة المتورطين.
- شكل أهالي الضحايا "رابطة أهالي ضحايا ترهونة" لمتابعة التحقيقات، وسط تحديات أمنية وسياسية، مما يعزز الثقة في النظام القضائي الليبي.
أعلنت النيابة العامة الليبية حبس ستة متهمين من أفراد مليشيا "الكانيات" على خلفية تورطهم في جريمة خطف وقتل عميد بلدية قصر بن غشير جنوب العاصمة طرابلس، محمد علي عجاج. وكشف مكتب النائب العام أن لجنة التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى جماعة "الكانيات"، قامت بتقصي الظروف المحيطة بجريمة قتل عجاج، والتي وقعت أثناء سيطرة المليشيا على منطقة قصر بن غشير، وتمكن المحققون من مواجهة المتهمين بدلائل تؤكد احتجازهم للمجني عليه، واشتراكهم في قتله.
واختطف عجاج على أيدي مليشيا الكانيات في عام 2019، ولم يتم التعرف على جثمانه إلا في مارس/آذار 2023، ضمن ضحايا المقابر الجماعية المكتشفة في ترهونة، ليكون واحداً من مئات الضحايا الذين سقطوا نتيجة وحشية تلك المليشيا.
ولم تكن هذه الأحكام ضد المتورطين في قضية المقابر الجماعية بترهونة هي الأولى، بل جاءت ضمن سلسلة من الإجراءات التي بدأها القضاء قبل نحو عامين ضد أفراد وقادة في مليشيا الكانيات، والذين سيطروا على ترهونة لعدة سنوات، وزادت قبضتهم الحديدية عليها بعد تحالفهم مع المليشيا التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر أثناء هجومه على العاصمة طرابلس خلال عامي 2019 و2020.
وخلال السنة الحالية، أعلنت النيابة العامة اتخاذ إجراءات ضد ثلاثة متورطين من مليشيا الكانيات، ففي مارس الماضي، أعلنت القبض على القيادي بالمليشيا محمد ميلاد الأزرق، وكشف جهاز البحث الجنائي عن أجزاء من اعترافات الأزرق خلال التحقيقات، أظهرت تورطه في جرائم قتل، وأشارت النيابة إلى وجود أوامر قبض دولية صادرة بحق الأزرق من المحكمة الجنائية الدولية، ما أضفى بعداً دولياً على القضية. وفي الشهر ذاته، حركت النيابة دعوى عمومية ضد أحد القياديين في "الكانيات"، بتهمة التورط في قتل 85 شخصاً داخل أحد مراكز الاحتجاز التي كان يديرها في ترهونة. وفي مطلع العام الجاري، أمرت النيابة بحبس قيادي آخر من "الكانيات" بعد اعترافه بارتكابه 12 جريمة قتل منذ عام 2016.
وشكل أهالي ضحايا المقابر الجماعية "رابطة أهالي ضحايا ترهونة" بهدف مواكبة التحقيقات الجارية في القضية، وإيصال صوتهم إلى السلطات المعنية، والرأي العام المحلي والدولي، وأصدرت الرابطة العديد من البيانات، أحدها في 22 مايو/أيار الماضي، وحذرت فيه من فرار عدة متهمين في القضية من السجون خلال الفوضى الأمنية التي شهدتها العاصمة طرابلس في منتصف مايو، إثر الاشتباكات المسلحة التي استهدفت جهاز دعم الاستقرار، والذي كان يحتجز هؤلاء المتهمين.
وفي البيان الأحدث، مطلع يوليو/تموز الجاري، جددت الرابطة التذكير بمأساة 66 مواطناً لا يزالون في عداد المفقودين، من دون أي تقدم ملموس لكشف مصيرهم أو محاسبة المتورطين في اختفائهم. وطالبت الرابطة السلطات بتفعيل الآليات الوطنية والدولية للبحث والتحقيق، وإحالة المسؤولين عن تلك الجرائم إلى القضاء من دون تأخير أو تسييس.
ويعتبر الحقوقي الليبي، عياد الزروق، أن استمرار القضاء في متابعة قضية مقابر ترهونة رغم التعقيدات الكبيرة، يشكل خطوة إيجابية تعكس تعافي المؤسسة القضائية رغم ضغوط الوضع الأمني في البلاد. ويرى أن "توالي إجراءات القضاء في القضية يعزز ثقة المواطن، ويرسخ فكرة أن عهد الإفلات من العقاب الذي شجع على اختراق القوانين وانتهاك حقوق الإنسان على نطاق واسع خلال سنوات الصراع قد بدأ يتراجع".
ولا يغفل الزروق الصعوبات الجمة التي يواجهها القضاء، والتي تعرقل حسم الملف، ويوضح أن "أبرز العقبات هي لجوء أغلب عناصر وقادة مليشيا الكانيات إلى الاحتماء بحليفهم خليفة حفتر في المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد التي يسيطر عليها. حفتر نفسه يمثل عقبة أمام حسم ملف المقابر، نتيجة مخاوفه من أن تطاوله المساءلة الجنائية، أو تطاول تشكيلاته العسكرية، وبالتالي تورطه بشكل أو آخر في الجرائم".
ويحذر الحقوقي الليبي من عقبات أخرى، من بينها إمكانية تسييس القضية، أو استغلالها في الصراع المحتدم بين الأطراف، لافتاً إلى أن غياب حكم القانون والتشريعات الموحدة يسهل على أطراف الصراع توظيف القضية سياسياً ضد خصومهم، ما يجعلها عرضة للانتقال من قضية حقوقية الى ساحة صراع، ومن ثم تضيع حقوق الضحايا، وتهدر معها مصداقية القضاء.
ورغم هذه التحديات، يرى الزروق أن "إصرار القضاء الليبي على المضي قدماً في التحقيقات، وحبس المتهمين، ووجود رابطة لأهالي الضحايا تطالب بحقوقهم، كلها عوامل تبعث على الأمل في إمكانية كسر حلقة الإفلات من العقاب، وإرساء أسس المساءلة والعدالة الانتقالية في البلاد".