تتزايد خسائر الجزائر من الغطاء الغابي والنباتي منذ عام 2021، وفاقمت حرائق الصيف الحالي هذه الخسائر، رغم خطط حكومية وأهلية متواصلة لغرس ملايين الأشجار واستعادة الغطاء النباتي، وتخطط الحكومة وجمعيات أهلية لإطلاق حملة تشجير في فصل الخريف المقبل لترميم الضرر البيئي الذي لحق بالبيئة والغابات.
ووجهت هيئة الغابات الجزائرية أخيراً، تحذيراً للمواطنين من مخاطر اندلاع حرائق جديدة، وأكدت في بيان، أن "الغابات ثروة وطنية وإرث للأجيال، ولا يزال خطر اندلاع الحرائق أو تجددها قائماً في ظل الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة وتراجع في مستويات الرطوبة، ما يؤدي إلى جفاف الغطاء النباتي ويجعله أكثر عرضة للاشتعال، وبالتالي تزيد احتمالية اندلاع الحرائق وسرعة انتشارها".
ودعت الهيئة الحكومية المواطنين إلى "التحلي باليقظة وروح المسؤولية، والمساهمة في الحد من مخاطر حرائق الغابات، من خلال الامتناع عن إشعال النيران داخل الغابات أو بالقرب منها، كما دعت إلى إزالة الأعشاب الجافة والأغصان والمواد سريعة الاشتعال من محيط المنازل والمزارع والمنشآت، للحد من انتقال النيران أو تفاقم الحرائق.
وأتلفت الحرائق حتى نهاية شهر يوليو/تموز الماضي، أكثر من 1666 هكتاراً من الغطاء النباتي، من بينها 356 هكتاراً من الغابات و89 هكتاراً من الأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية الجبلية، مقارنة بـ 467 هكتاراً دمرتها الحرائق خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وتعد هذه الخسائر البيئية الأكبر منذ حرائق صيف 2021.
وضعت المديرية العامة للغابات خطة لإعادة تشجير المناطق المحروقة، تشمل تحديد المناطق المتضررة، وتقييم حجم الخسائر، واختيار أنواع الأشجار المناسبة للزراعة وفقاً للظروف المناخية وطبيعة التربة. وتعتمد الخطة على تنفيذ حملات تشجير بمشاركة المجتمع المحلي، إضافة إلى تنظيم ورش عمل وحملات توعية حول أهمية الغابات وضرورة حمايتها.
تُعرف ولاية تيبازة (غرب) بكثافة غطائها الغابي الذي يمتد الى أربع ولايات مجاورة، هي عين الدفلى والمدية والبليدة وشلف، وتكبدت تيبازة خسائر فادحة خلال الصيف الحالي. وتقول المسؤولة في مديرية الغابات بالولاية، أمال مقراني، لـ"العربي الجديد"، إن "الحرائق أتت على مساحات واسعة من غابات تيبازة، وشملت الخسائر نفوق 850 رأس ماشية وتضرر عدد من المنازل. أقرت المديرية برنامجاً يشمل تشجير ثمانية آلاف هكتار، يتم تنفيذه على ثلاث مراحل، باستخدام الصنوبر الحلبي والبلوط الفليني، مع إنشاء خمسة مشاتل لإنتاج مليوني شتلة سنوياً، وتجهيز 15 نقطة مائية، ومنع الرعي لمدة ثلاث سنوات في المناطق التي يتم تشجيرها للسماح بعودة الغطاء النباتي إلى وضعه السابق".
وإضافة الى الخطط الحكومية لاستدراك خسائر الحرائق، تجهز جمعيات بيئية لاطلاق حملات تشجير محلية جديدة، على غرار حملة غرس مليون شجرة في يوم واحد التي أنجزت في نهاية العام الماضي، وحملة غرس خمسة ملايين شجرة في شهر فبراير/شباط الماضي، وتقود جمعية "الجزائر الخضراء" بالتنسيق مع وزارة الزراعة هذه الحملات، كونها كبرى الجمعيات النشطة في مجال البيئة والتشجير.
ويجري التنسيق حالياً لإطلاق حملة تشجير كبيرة في مختلف الولايات التي طاولتها الحرائق، تنفذ خلال فصل الخريف المقبل، وتشارك فيها العديد من الجمعيات البيئية والأهلية، فضلاً عن المشاركة الحكومية.
ويؤكد الباحث المهتم بشؤون البيئة، عمر كرفة، أن الجزائر التي تكبدت خسائر فادحة في ثروتها الغابية، في حاجة إلى مشروع بيئي وطني يتجاوز حملات التشجير المتكررة، ويقول لـ"العربي الجديد": "صحيح أن الحملتين السابقتين نجحتا في غرس 1.3 مليون شجرة، ثم خمسة ملايين شجرة، لكنها تبقى أرقاماً أقل بكثير من المطلوب إذا قورنت مع تجارب دول أخرى، مثل إثيوبيا التي أعلنت غرس 350 مليون شجرة في حملة واحدة، أو تركيا التي نجحت في غرس 11 مليون شجرة في غضون يوم واحد".
ويضيف كرفة: "هناك تحديات بيئية مهمة، ليس أبرزها كيف نزرع ملايين الأشجار، فغرس الأشجار هو أسهل حلقة في العملية، لكن رعايتها ومتابعة نموها هو الذي يحقق الهدف الأساسي لتجديد الغطاء الغابي والنباتي، وهذا الأمر يتعين أن يتم وفق خطة تفرض ربط كل مساحة يتم تشجيرها بجهة تتولى مسؤولية الرعاية، وتوفير أنظمة الري، فضلاً عن تنويع التشجير بالاعتماد على ما يعرف بالاقتصاد الأخضر المنتج، والذي يعني التركيز على زراعة الأشجار المثمرة والمنتجة، مثل الزيتون والخروب والأرغان، والتي توفر دخلاً للمزارعين، وتحقق الهدف البيئي في ذات الوقت".
وتخطط السلطات الجزائرية لزيادة الغطاء الغابي إلى 4.7 ملايين هكتار بحلول عام 2035، عبر عمليات تشجير واسعة، خصوصاً في ولايات الشمال، كما تركز على حماية الغطاء النباتي في مناطق سهوب وسط البلاد عبر تثبيت الأتربة والرمال.
وبدأت السلطات في إبريل/نيسان 2024، مشروعاً لإعادة بناء وترميم "السد الأخضر"، وهو جدار بيئي من الأشجار يمنع زحف رمال الصحراء نحو الشمال، مع زيادة استصلاح الأراضي وتكثيف الغطاء النباتي في المناطق الصحراوية والسهوب الفاصلة بين مناطق جنوبي البلاد وشمالها، ويشمل المشروع مساحة 4,7 ملايين هكتار تمتد عبر أراضي 13 ولاية، وحصلت الجزائر على تمويل من "صندوق المناخ الأخضر" التابع للأمم المتحدة بقيمة 128 مليون دولار لترميم "السد الأخضر".