كشفت وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية الليبية عن ثماني وقائع لتفكيك مخلفات حربية خلال شهر يوليو/تموز الماضي، آخرها تعامل جهاز المباحث الجنائية في العاصمة طرابلس، مع قنبلة يدوية من مخلفات الحرب عثر عليها في منطقة مشروع الهضبة، وجرى نقلها إلى موقع التخزين المخصص للإتلاف.
وبالتزامن، أعلن فرع الجهاز في المنطقة الغربية، انتشال ونقل قذيفتي هاون من مخلفات الحرب عُثر عليهما داخل قطعة أرض بمنطقة الحرشة بمدينة الزاوية، تمهيداً لإتلافهما. وفي 27 يوليو، تمكن فرع الجهاز بمنطقة القربولي، شرقي طرابلس، من انتشال قنبلة يدوية، ونقلها تمهيداً لإتلافها، وسبق ذلك إعلان فرع الجهاز بالمنطقة الجنوبية، انتشال مجموعة من الذخائر والقذائف غير المنفجرة التي عثر عليها بمدينة سبها، شملت قذائف هاون، وقذائف دبابات، وعدداً من الصواريخ، وتسليمها للجهات المختصة للتخلص منها بالطرق الآمنة.
وفي 21 يوليو، تمكن فرع جهاز المباحث الجنائية بالمنطقة الغربية من إزالة كميات كبيرة من مخلفات الحرب عقب عمليتي مسح في جنوب مدينتي العجيلات والزاوية؛ شملت ذخائر مدفعية وقذائف وذخائر متنوعة، ونقلها إلى وحدات التخزين تمهيداً لإتلافها. وفي اليوم ذاته، استجابت فرق الجهاز بالمنطقة الوسطى لبلاغ حول قذيفة راجمة من مخلفات الحرب كانت ملقاة قرب الطريق العام جنوبي مدينة مصراتة، ونقلتها تمهيداً لإتلافها.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود، لا تزال مخلفات الحرب تحصد الأرواح وتخلف إصابات، وأفادت منظمة "رصد الجرائم في ليبيا" (أهلية) بمقتل طفل يبلغ من العمر 11 سنة في منطقة قصر الأخيار شرقي طرابلس، في 27 فبراير/شباط الماضي، إثر انفجار قذيفة من مخلفات الحرب أثناء لعبه برفقة أصدقائه الذين أصيبوا بدورهم. وشهدت مدينة مصراتة في 21 يوليو الماضي، انفجار سيارة من جراء مرورها فوق مخلفات حربية، من دون تسجيل خسائر بشرية، بحسب ما أعلن فرع جهاز المباحث الجنائية في المنطقة الوسطى.
وقدم المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب (حكومي) إحاطة لبعثة الأمم المتحدة في 28 يوليو، ذكر فيها أن فرقه الميدانية تمكنت من تطهير 126.385 متراً مربعاً من الأراضي، وتسليم 11 موقعاً بعد التأكد من خلوها من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وأنه جرى التخلص من 42.675 قطعة ذخائر متفجرة، بالتزامن مع تنفيذ حملات توعية بمخاطر المتفجرات والمخلفات الحربية.
وكشفت بيانات المركز أن الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2026 شهدت تسجيل 242 حادثة مرتبطة بذخائر غير منفجرة، أسفرت عن سقوط 186 قتيلاً، إضافة إلى إصابة 331 شخصاً بجروح متفاوتة.
وكشف تقرير أممي صدر في نهاية عام 2024، أن مساحة الأراضي الملوثة بالمخلفات في ليبيا تُقدر بنحو 444 مليون متر مربع، مؤكداً أن تطهير هذه المساحة الشاسعة قد يستغرق زهاء 15 عاماً في أفضل السيناريوهات الممكنة.
وباستثناء واقعة جمع الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب في مدينة سبها (جنوب)، تركزت بقية الوقائع في مناطق غرب ليبيا باعتبارها الأكثر تضرراً من النزاعات المسلحة، لا سيما عقب الهجوم الذي شنته قوات "القيادة العامة" في شرق البلاد على العاصمة طرابلس بين عامي 2019 و2020، والاشتباكات المتكررة التي شهدتها طرابلس خلال السنوات الأخيرة.
وتسلط الناشطة المدنية فاطمة التركاوي الضوء على جانب آخر يتعلق بطبيعة عمل الأجهزة الأمنية في ملف مخلفات الحرب، مؤكدة أن الوقائع التي أعلنها جهاز المباحث الجنائية جاءت في أكثرها استجابة لبلاغات مواطنين، ما يعني اقتصار عمله على الاستجابة للبلاغات من دون العمل على إجراء مسح ميداني شامل. وأوضحت لـ "العربي الجديد"، أن "بيانات المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب حول تطهير مساحات واسعة، وتسليم 11 موقعاً آمناً تعد أكبر حجماً مما يعلنه جهاز المباحث الجنائية، ما يعني غياب التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية".
وتساءلت التركاوي عن الجهة المسؤولة عن استمرار معاناة المواطنين في أراضيهم ومزارعهم من انتشار مخلفات الحروب، مشيرة الى أن "هذه المناطق كانت مهمة بالنسبة للمتحاربين، ثم طاولها التهميش بمجرد انسحاب الأطراف المتصارعة، والآن لا أحد يحاسب هؤلاء. ينبغي أن تكشف الجهات المسؤولة بوضوح عن نطاقات الخطر والمناطق غير الآمنة، فالاقتصار على تنبيه السكان قد يعرض المارة للخطر، خصوصاً أن بعض المخلفات يعثر عليها على الطرق العامة".
ولفتت الناشطة الليبية إلى الأبعاد الصحية والبيئية لمخلفات الحرب، وكونها غائبة كلياً عن التقييمات الرسمية، مشددة على أن "بقاء هذه المخلفات مبعثرة على سطح الأرض، أو مدفونة تحت طبقات رقيقة من التراب يحولها إلى مخاطر من نوع آخر في حال تآكلت وتسربت مركباتها الكيميائية إلى التربة أو المياه الجوفية، ما ينذر بكوارث صحية متراكمة. بعد مرور ست سنوات على حرب طرابلس، يفترض أن تجري السلطات مسحاً وبائياً وبيئياً شاملاً لتقصي آثار التلوث بالمخلفات الحربية ومكافحة تبعاته".