جزيرة غرينلاند... تداعيات الانتحار والإدمان والصدمة الجماعية
استمع إلى الملخص
- يواجه الأطفال في غرينلاند أوضاعاً خطيرة، حيث يتعرضون للاعتداء الجنسي والإهمال، مع نقص في الأخصائيين الاجتماعيين والمعالجين النفسيين، مما يعيق تنفيذ البرامج بشكل فعال.
- تتزايد الدعوات للاستقلال بين شباب غرينلاند، مع رفض الهيمنة الأميركية والدنماركية، مطالبين باستراتيجيات محلية مستدامة ودعم من كوبنهاغن لمعالجة الأزمات الاجتماعية.
تتشكل معركة غرينلاند الحقيقية بين البرد القارس، والانتحار، والذاكرة المثقلة بالغضب، وهي بالأساس معركة حول الكرامة، والهوية، والحق في مستقبل أكثر عدلاً مقارنة بالماضي المظلم.
يتجاوز غالبية سكان جزيرة غرينلاند الوضع السياسي المتعلق بهوية من يسيطر على جزيرتهم، هل سيبقون جزءاً من مملكة الدنمارك، أم تستحوذ عليهم الولايات المتحدة كما يريد ترامب، أم أنهم سيحصلون على استقلالهم كما يرغب غالبية الشبان؟
ورغم أهمية تحديد الوضع السياسي للجزيرة، تظل الأوضاع الاجتماعية والنفسية هي الهاجس الأبرز لسكانها، إذ يتحدث كثيرون عن معدلات انتحار صادمة، وأزمات نفسية، وانتشار الإدمان، والعنف الأسري، ودائماً ما يقارنون أوضاعهم مع الدنمارك، الدولة الشقيقة في المملكة، حيث الخدمات أكثر تنظيماً، والدعم النفسي والاجتماعي أوسع انتشاراً.
وتسجل غرينلاند معدلات انتحار من بين الأعلى عالمياً، وتصل تقديراتها إلى نحو 80 حالة لكل 100 ألف نسمة سنوياً، مقارنة بنحو 10 حالات انتحار لكل 100 ألف في الدنمارك، والفئة العمرية الأكثر عرضة للانتحار هم الشباب بين 20 و24 سنة، وفق التقارير الرسمية.
وينظر إلى الانتحار في الجزيرة على أنه هاجس جماعي وليس مجرد حدث فردي. يقول يوهان، الطالب في جامعة نوك: "كل شخص تقريباً يعرف أحداً فقد حياته منتحراً. لم يعد الانتحار صدمة فردية، بل جزء من الذاكرة الجمعية في غرينلاند". وترجع دراسات دنماركية الأمر إلى أسباب متعددة، من بينها العزلة الجغرافية، والتفكك الأسري، والفقر، والبطالة، وتراكم الصدمات النفسية، إلى جانب الطول الكبير لساعات الضوء والظلام في فصلي الصيف والشتاء، والتي تضاعف الضغوط النفسية على السكان.
تأييد الاستقلال رائج بين شباب غرينلاند مع رفض الهيمنة الأميركية، في حين تظهر أي مقارنة مع الدنمارك فجوات واضحة في كل القطاعات
وتظل أوضاع الأطفال التي تظهرها الإحصاءات الرسمية هي الأخطر، إذ تشير التقديرات إلى أن طفلاً من بين كل خمسة يتعرض لاعتداء جنسي، فيما يعاني ثلث الأطفال من الإهمال الاجتماعي أو العاطفي. في المقابل، تعد الدنمارك من الدول الرائدة في حماية الطفل، مع نسبة تعرض محدودة للاعتداء أو الإهمال، ما يظهر فجوة كبيرة في البنية الاجتماعية بين المركز والهامش.
وغالباً ما تبقى الانتهاكات في غرينلاند غير مُبلغ عنها، إما بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي لاعتبارات ثقافية، أو ضعف الثقة بالمؤسسات، ما يجعل الأرقام الرسمية أشبه بقمة جبل الجليد.
ووضعت حكومة غرينلاند المحلية "نالاكيرسوست" استراتيجيات عدة لمكافحة الانتحار، والاعتداء الجنسي، وتعزيز دعم الأسر، وظهرت مبادرات محلية تشجع الناجين على مشاركة قصصهم كي يستلهما الأخرين. لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة، من بينها نقص الأخصائيين الاجتماعيين والمعالجين النفسيين، ومركزية الخدمات في العاصمة نوك، ما يترك مناطق واسعة من دون دعم، إضافة إلى ضعف الموارد المالية، ما يجعل تنفيذ البرامج على مستوى الجزيرة صعباً.
وتظهر أي مقارنة بين غرينلاند والدنمارك فجوات واضحة، فنسب التشرد في غرينلاند تقدر بنحو 1%، في مقابل 0.1% في الدنمارك، ويتعرض نحو 20% من أطفال غرينلاند لاعتداء جنسي، مقابل أقل من 2% في الدنمارك. وتبرز هذه الفجوات أن غرينلاند، رغم كونها جزءاً من نفس المملكة، تواجه تحديات اجتماعية مضاعفة بسبب مزيج من أزمات الجغرافيا، والتاريخ، ونقص الموارد، ما يفسر شعور سكانها المتنامي بالإقصاء وانعدام المساواة.
ويعتبر الإدمان، خصوصاً على الكحول، أحد أبرز تحديات الصحة النفسية، وغالباً ما يُربط بالعنف الأسري، وبدأ تعاطي الحشيش يتفشى بين الشبان، لكن يظل إدمان الكحول الأوسع انتشاراً رغم انخفاض معدلات الاستهلاك بين الأجيال الجديدة مقارنة بالسابق.
في كوبنهاغن، يُنظر إلى الإدمان على أنه مرض يحتاج إلى علاج، مع إتاحة برامج علاجية وتأهيلية واسعة، بينما في غرينلاند غالباً ما يُترك الفرد المدمن لمصيره، وفي حالات محدودة، يُنقل إلى العاصمة للحصول على الدعم اللازم. لكن الخبراء في تطورات مجتمع غرينلاند، يؤكدون أن الجيل الجديد أقل تناولاً للكحول، حتى من أقرانهم في الدنمارك.
عمل المسن كالير سائق شاحنة لمدة أربعة عقود، ويقول: "لا نشرب الكحول كي نؤذي أنفسنا، أو لأننا نحب أن نتحول إلى مدمنين. نشرب لأن واقعنا الاجتماعي والنفسي ثقيل، كما أننا لا نرى أفقاً واضحاً".
وثمة تأييد أكبر للاستقلال بين جيل الشباب، مع توسع الرفض للهيمنة الأميركية، وهؤلاء يرفضون التبعية باعتبارها "نقاشاً حولنا يجري من فوق رؤوسنا، بينما لا يتم إشراكنا أو حتى مناقشتنا".
يرفض الشاب مادس إريكسن ما يعتبره "سيطرة ترامب"، ويؤكد أنه في حال حدوثه ستتحول غرينلاند إلى "معاملة تمييزية أشد وطأة من الوضع الحالي، ربما مثل سكان أميركا الأصليين الذين حشروهم فيما يسمى محميات، وجعلوهم خارج المجتمع، أو على هامشه".
ويوضح هذا أن الإدمان ليس سبباً، بل عرض لتراكم المعاناة التاريخية والاجتماعية، إذ لا يمكن فهم الأزمات النفسية والاجتماعية في غرينلاند بمعزل عن التاريخ الاستعماري، وبرامج التحديث القسري الدنماركية التي بدأت في خمسينيات القرن العشرين، والتي شملت إعادة تنظيم السكن، وتحويل المجتمعات إلى نماذج حضرية، وإرسال الأطفال إلى الدنمارك لتلقّي تعليم "حضاري"، وفرض اللغة والثقافة الأوروبية على السكان المحليين.
وكانت نتيجة هذه السياسات اقتلاعاً اجتماعياً ونفسياً، وفقدان اللغة والثقافة، وانفصالاً عن الهوية الأصلية. تقول الجدة ريتا: "أُرسلنا مراهقات إلى الدنمارك لنصبح متحضرات، وحين عدنا وجدنا أنفسنا غرباء عن لغتنا وعن هويتنا. لدي أبناء وأحفاد لا ينطقون الدنماركية، رغم أنهم يتعلمونها في المدارس".
ومن المفارقات أن أطفالا ومراهقين يتحدثون بالإنكليزية، وحول السبب يقول بعضهم: "نتكلم مع أهالينا بلغتنا، لا بالدنماركية، ونعمل على تعليم أنفسنا لغات أخرى، من بينها الإنكليزية". ولا يجيد كثيرون اللغة الدنماركية في جزيرة تتبع التاج الدنماركي، وأغلبية هؤلاء من الفقراء قليلو التعليم، لكنْ ثمة آخرون يجيدونها لكنهم يرفضون الحديث بها نوعاً من التعبير الثقافي.
في النقاش العام، يصف كثير من الغرينلانديين العلاقة مع الدنمارك بأنها "علاقة فوقية"، فرغم المشاركة في مؤسسات الدولة، يرون أن القرار الحقيقي لا يزال في كوبنهاغن، بما في ذلك الموازنة المالية، والدعم السنوي الذي يُنظر إليه رمزاً للتبعية، وليس ضمانة استقرار.
على الجانب الدنماركي، يُنظر إلى هذه الأموال باعتبار أنها دعم ضروري لاستقرار الجزيرة، ووسيلة لتحقيق تنمية اقتصادية، وهو تفسير غالباً ما يُواجه النقد من الغرينلانديين باعتباره إخفاء للعجز عن معالجة المشاكل الاجتماعية المتجذرة.
ويعبر الغرينلانديون عن سخطهم أيضاً إزاء الصورة النمطية المرسومة لهم في الدنمارك، حيث يعيش نحو 17 ألفاً منهم، والتي تصورهم مجموعة من الفشلة أو المخمورين والمشردين، وهذه أمور عانوا منها خلال العقود الأخيرة، حتى وصل الأمر إلى تبني مجموعات لاجئة ذات الصورة النمطية عنهم في الضواحي التي يعيش فيها المهاجرون.
ولا يرى الكثير من الغرينلانديين الاستقلال حلاً سحرياً للأزمات، لكنه بالنسبة لهم جزء من استعادة الكرامة والثقة. يقول رجل الأعمال الدنماركي المقيم منذ عقود في غرينلاند، هنريك نيلسن، لـ"العربي الجديد": "المشكلة ليست سياسية فقط، إنها أزمة ثقة. الناس هنا يريدون أن يُعاملوا شعباً ناضجاً، لا موضوع إدارة".
في حين يرى الطرف الدنماركي أن التدابير التدريجية، والدعم المالي، والمشاريع التنموية هي الوسيلة الأكثر عملية للاستقرار، ما يخلق توتراً بين الرغبة في الاستقلال وبين اعتماد الجزيرة على الدعم. وبينما لا يذوب الجليد وحده تحت تأثير التغير المناخي، يذوب وهم كون الأزمات الاجتماعية يمكن احتواؤها من دون مواجهة جذورها التاريخية والسياسية والنفسية.
وبالنسبة للكثير من أهل الجزيرة، فإن معالجة هذه الأزمات المتفاقمة تبدأ بالاعتراف بها، ثم تطوير استراتيجيات محلية مستدامة للتعامل معها، مع توفير دعم مناسب من كوبنهاغن، ولكن من دون تجاهل الإرث الاستعماري، أو فرض سياسات خارجية غير متوافقة مع الثقافة المحلية.