جرحى ومرضى غزة... قصص معاناة في انتظار العلاج بالخارج
استمع إلى الملخص
- يحتاج أكثر من 16,500 مريض للسفر للعلاج بالخارج، لكن الاحتلال يعيق إدخال المساعدات الطبية وفتح المعابر، رغم دعوات منظمة الصحة العالمية لتسهيل إجلاء المرضى.
- قصص المرضى مثل خليل مقاط وعبد الشكور عبد المعطي تعكس معاناة الفلسطينيين، حيث تعرقل التعقيدات السياسية سفرهم للعلاج، مما يفاقم معاناتهم ويهدد حياتهم.
ينتظر آلاف الفلسطينيين السفر للعلاج في الخارج، بعدما دمّر الاحتلال الإسرائيلي المنظومة الصحية في قطاع غزة، ومنع إدخال الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية ليعمّق معاناة المرضى والجرحى.
يعلّق الجرحى والمرضى الفلسطينيون ممن يصعُب علاجهم في قطاع غزة ويمتلكون تحويلات طبية عاجلة آمالهم على إمكانية حصولهم على فرصة لتلقي العلاج في الخارج، بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد أن أنهكتهم حرب الإبادة على مدار عامين، وأغلق في وجههم معبر رفح البري جنوبي القطاع الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لأكثر من مليوني إنسان.
وبعد مرور نحو 40 يوماً على دخول اتفاق وقف العدوان الإسرائيلي على القطاع حيّز التنفيذ، لا يزال الاحتلال يواصل خروقه للاتفاق، ويتعنّت في إدخال المساعدات الإنسانية والأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى مواصلة إغلاق المعابر، بما فيها معبر رفح البري الذي يعول عليه الفلسطينيون كثيراً من أجل السفر لتلقي العلاج.
وتضررت المنظومة الصحية في قطاع غزة على مدار أشهر الحرب، وخرجت أكثر من 60% من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة، واستشهد مئات الأطباء والممرضين، وأُصيب مئات آخرون أو اعتُقلوا، بينما وصل المخزون الدوائي إلى أدنى مستوياته منذ فرض الحصار قبل 18 سنة. وفي ظل هذه الكارثة الصحية، لم يعد بإمكان مستشفيات القطاع تقديم الخدمات الصحية سوى بالحد الأدنى، ما جعل آلاف المرضى، خصوصاً مرضى السرطان والأمراض المزمنة، والمصابين بإصابات بالغة، ينتظرون قرار السفر للعلاج.
خرجت 60% من المستشفيات والمراكز الطبية في غزة عن الخدمة، ويتعنّت الاحتلال في إدخال المساعدات والأدوية والمستلزمات الطبية
وتُقدّر وزارة الصحة في قطاع غزة أن ما يزيد عن 47% من أصناف الأدوية الأساسية و65% من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، ما يجعل علاج الكثير من الأمراض شبه مستحيل. في المقابل، يجد آلاف المرضى المنتظرين السفر للعلاج خارج القطاع أنفسهم محاصرين بآلية معقدة تتحكم فيها إسرائيل مباشرة.
وأفادت منظمة الصحة العالمية بأنّ نحو 16 ألفاً و500 مريض من قطاع غزة ينتظرون إجلاءهم لتلقّي العلاج في الخارج، وجميعهم من الحالات المرضية المزمنة أو الخطرة، وكذلك الجرحى الذين أصيبوا خلال العدوان الإسرائيلي، والذين تستدعي إصاباتهم تدخلات دقيقة غير متوفرة أو ممكنة داخل مستشفيات القطاع، وتدعو المنظمة الأممية إلى إعادة فتح كلّ المعابر مع القطاع بصورة عاجلة ومستدامة.
وأوضحت المنظمة، أخيراً، أنّ "معبر رفح الواقع في أقصى جنوب القطاع يُعَدّ منفذاً حيوياً للإجلاء الطبي، ومدخلاً رئيسياً للإمدادات الصحية إلى غزة"، وذلك رداً على تعمد الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المعبر خلال حربه الأخيرة على القطاع لتشديد حصار الفلسطينيين، مع منع إدخال الإمدادات الأساسية إليهم، ولا سيّما تلك المنقذة للحياة.
ويؤكد الوكيل المساعد في وزارة الصحة في غزة، الطبيب ماهر شامية، أن "الاحتلال لا يزال يتلكأ في السماح بسفر المرضى الفلسطينيين من غزة لتلقي العلاج في الخارج تحت ذرائع واهية، رغم أن البرتوكول الإنساني الخاص باتفاق وقف إطلاق النار ينص على ذلك. الاحتلال يضرب بعرض الحائط كل ما نصت عليه الاتفاقية، وكذا مطالبات المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والدولية".
ويوضح شامية لـ "العربي الجديد" أن "قوائم الانتظار تجاوزت 16 ألفاً و500 مريض ومصاب بحاجة إلى السفر، وقد يرتفع الرقم إلى 20 ألفاً، في ظل استمرار تدهور الوضع الصحي. عدد المرضى الذين سافروا لتلقي العلاج في الخارج بلغ 2366 مريضاً فقط منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع في السابع من أكتوبر 2023، وهناك مرضى يتوفون يومياً بينما ينتظرون السفر للعلاج. لذا نناشد المجتمع الدولي تسريع الإجراءات، لأن التأخير يعني فقدان أرواح جديدة".
وتحتلّ إسرائيل الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر منذ مايو/ أيار 2024، وقد دمّرت مبانيه أو أحرقتها، الأمر الذي جعل المواطنين الفلسطينيين المحاصرين، خصوصاً المرضى، يعيشون أزمة إنسانية كبيرة. وتقلصت التحويلات الطبية التي كانت تنفذ شهرياً قبل الحرب عبر معبر رفح بحدّة خلال العدوان الإسرائيلي، وأصبح المريض يعتمد على تنسيق معقد يشمل وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية والجانب الإسرائيلي، وغالباً ما يفشل بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية.
يجلس الفلسطيني خليل مقاط في جوار والدته المريضة عليا صبحي مقاط (60 سنة)، والتي أنهكها سرطان القولون. يصف حالتها قائلاً: "اكتشفنا المرض قبل ثلاثة أشهر، بعدما صارت تعاني من مغص دائم، ولما أجرينا فحوصاً للقلب ومنظاراً أخذوا خلاله عينة في مستشفى أصدقاء المريض، تبين أنها مصابة بسرطان القولون. بعدها عملنا صورة أشعة في المستشفى العربي المعمداني، وقرّر الطبيب أنها بحاجة إلى جلسات علاج كيميائي". ويوضح مقاط لـ"العربي الجديد" أن والدته تلقت جرعتين من العلاج في مستشفى الحلو بمدينة غزة، واثنتين أخريين في مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس بعد نزوحهم إليه، لكن العلاج لم يعد متوفراً، والأطباء قرروا تحويلها للعلاج في الخارج. "التحويلة جاهزة ومختومة من وزارة الصحة، لكننا ننتظر اتصالاً من منظمة الصحة العالمية منذ أكثر من شهر للسفر".
قصة أخرى تحمل وجعاً مضاعفاً يعيش تفاصيلها الفلسطيني عبد الشكور عبد المعطي (30 سنة)، والذي تعرض لإصابة بالغة في غارة إسرائيلية استهدفت منزله الواقع في منطقة الزرقاء شرقي مدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد والديه وثلاثة من أشقائه وآخرين من العائلة، وبلغ العدد 15 شهيداً. يقول شقيقه أحمد عبد المعطي لـ "العربي الجديد": "أصيب عبد الشكور في ظهره، وقُصَّ المفصل الداخلي لقدمه اليمنى، ورجله تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل، وتحويلته جاهزة منذ أكثر من شهر ونصف الشهر، وهو يعاني من آلام مبرحة، ويتلقّى أنواعاً متعددة من المسكنات والمهدئات. أصيبت زوجته أيضاً بكسر وتهتك في اليد اليمنى، وتحتاج لتركيب بلاتين، بينما استشهد طفلهما خالد (4 سنوات)، وفقدا جنيناً كان في شهر الحمل الأخير. نتمنى فتح المعبر حتى يسافر عبد الشكور وزوجته للعلاج، فحالتهما صعبة، ولا يوجد لهما علاج في غزة".
من النصيرات في وسط القطاع، يروي أحمد عميرة قصة شقيقته عزة (45 سنة)، والتي تقاوم سرطان الثدي منذ أكثر من عام، قائلاً لـ"العربي الجديد": "اكتشفنا المرض قبل سنة، وأجرينا جراحة عاجلة في غزة، وبعدها بدأت جلسات العلاج الكيميائي، لكن العلاج غير منتظم، والجرعات تتأخّر بسبب نقص الأدوية، بينما تحويلتها جاهزة منذ سنة، ومعتمدة من وزارة الصحة. ننتظر اتصالاً من منظمة الصحة العالمية، لكن كل يوم تأخير يمثل خطراً على حياتها، واضطرت الأسرة للنزوح إلى النصيرات، ثم التوجه إلى مستشفى ناصر لإجراء فحوص بسيطة بسبب ازدحام المراكز ونقص الكوادر. ننتظر فتح معبر رفح، وأن يكون باب فرج حقيقياً، لأن الإمكانات في غزة محدودة للغاية بعد عامين من الحرب".
في 28 أغسطس/آب الماضي، كان الطفل ريان محمد السيقلي (12 سنة) يقف أمام باب منزله الواقع في مخيم البريج وسط قطاع غزة، ومن دون سابق إنذار، قصفت طائرة استطلاع إسرائيلية مجموعة من المواطنين في المنطقة، وكان هو من بينهم. تروي والدته هالة هنية (33 سنة)، بصوت يكسوه الألم، لـ"العربي الجديد": "أُصيب ريان بشظية في الدماغ، وجرى تحويله إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث أجرى له الأطباء عملية جراحية استُؤصل خلالها جزء من الجمجمة، وسُيطر على النزيف في الدماغ. صار ابني يعاني من شلل نصفي، وفقد البصر في العين اليُمنى، وشخّص الأطباء حالته بأنه بحاجة إلى علاج تأهيلي مكثف، وإجراء عملية زراعة جزء من الجمجمة، وهذه العملية تحتاج إلى إمكانات كبيرة غير متوفرة في قطاع غزة في ظل تردي النظام الصحي. ريان ابني الوحيد، وأتمنى أن يُنظر في حالته الصحية، ومساعدتي في علاجه خارج غزة".