استمع إلى الملخص
- وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية هذه الجرائم، مشيرة إلى تعرض النساء للاغتصاب الجماعي تحت تهديد السلاح في مراكز النزوح ونقاط التفتيش، مما جعل رحلة النزوح كابوساً للعديد منهن.
- في أكتوبر 2023، تم توثيق حالات اغتصاب جماعي لفتيات في سجن شالا العمومي، مما ترك أثراً نفسياً عميقاً على الشهود والضحايا.
انتهاكات متعددة تعرضت لها النساء في الفاشر من مختلف الأعمار
تتشابه جرائم الاغتصاب التي ارتكبت بحق النازحات من الفاشر
رغم أن جريمة الاغتصاب باتت سمة بارزة في الحرب السودانية الدائرة منذ منتصف إبريل/ نيسان 2023، إلا أنها تفاقمت في مدينة الفاشر وضواحيها.
تبرز جرائم العنف الجنسي والاغتصاب بين الانتهاكات المتعددة التي طاولت سكان مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور في السودان، والتي خضعت لحصار امتد 18 شهراً من قبل قوات الدعم السريع، التي سيطرت على المدينة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
وتعرضت مئات النساء العالقات داخل الفاشر، والنازحات نحو طويلة والدبة ومليط لجرائم عنف جنسية متنوعة خلال محاولاتهن النزوح، كما تعرضت العشرات للاغتصاب في نقاط التفتيش والحواجز العسكرية التي نصبها الدعم السريع حول المدينة، حتى أن بعض جرائم الاغتصاب جرت أمام أُسر الضحايا، واحتجزت بعضهن من أجل أغتصابهن أكثر من مرة.
وأفاد شهود عيان تحدثوا لـ"العربي الجديد" عن انتهاكات متعددة تعرضت لها نساء من مختلف الأعمار، من بينها جرائم اغتصاب، وضرب وتنكيل واحتجاز، فضلاً عن التفتيش المذل للكرامة، والتجريد من الملابس، في حين أدانت الأمم المتحدة وقائع اغتصاب النساء داخل مدينة الفاشر، وقالت في 31 أكتوبر الماضي إنها وثقت عبر شركائها تعرض ما لا يقل عن 25 امرأة للاغتصاب الجماعي تحت تهديد السلاح بعد دخول قوات الدعم السريع مأوى للنازحين بالقرب من جامعة الفاشر.
ووثقت منسقية النازحين واللاجئين في دارفور تعرض ما يزيد عن 150 امرأة للاغتصاب أو أحد أشكال العنف الجنسي منذ سقوط الفاشر حتى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مؤكدة أن تلك الجرائم وقع بعضها داخل مدينة الفاشر، وبعضها الآخر على طريق النزوح نحو منطقة طويلة وغيرها من المناطق التي توجه إليها النازحون.
قبل نحو عشرة أيام حملت السودانية سامية (32 سنة)، أطفالها الثلاثة للهروب من جحيم الفاشر، إذ كانت تتوقع حدوث انتهاكات كثيرة مع بسط الدعم السريع سيطرتها على المدينة، لكن لم يخطر ببالها أنها ستكون ضحية لاغتصاب جماعي على أحد الحواجز الأمنية في الطريق نحو طويلة.
تعرضت عشرات النساء للاغتصاب في نقاط التفتيش والحواجز العسكرية التي أقامتها قوات الدعم السريع في محيط مدينة الفاشر
كانت سامية تسير ضمن عشرات النازحين، نساء ورجال وأطفال، وجميعهم تمكنوا بمشقة من مغادرة الفاشر التي شهدت أعنف موجات القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وعند الحاجز الأمني الأول، تم نهب أغراضها، وتعرضت لتفتيش مهين، إذ كان الجنود يبحثون عن الأغراض المخفية، وصولاً إلى الملابس الداخلية، وعندما لا يجدون شيئاً مخفياً يضربون النساء ويهينونهن بألفاظ عنصرية.
وكانت أكثر النساء حظاً يُتركن لمواصلة السير بعد التفتيش والتجريد من الأغراض الشخصية والممتلكات. لكن سامية لم تكن من الفئة المحظوظة، إذ أوقفها أحد الجنود وأمرها بأن تتبعه إلى خيمة مهترئة على بعد أمتار قليلة من الحاجز الأمني، وهناك اغتصبها، قبل أن يتناوب عليها ثلاثة آخرون من المسلحين، كان أحدهم لم يتجاوز العشرين. لتتحول رحلة النزوح إلى مأساة باتت تطاردها في نومها ليلاً، وتتخيل تفاصيلها نهاراً.
تقول سامية: "لو كنت أعرف أنني سأتعرض للاغتصاب خلال نزوحي لبقيت في الفاشر، حتى لو قتلوني وهم يدخلون المدينة. أطفالي كانوا يبكون وهم يشاهدون المسلح يقودني تحت تهديد السلاح إلى الخيمة، وكان يمكن أن يقتلني لو أبديت أي مقاومة، فهم لا يترددون في القتل".
وتتشابه جرائم الاغتصاب التي ارتكبت بحق النازحات من الفاشر، فغالبيتها تحدث على الحواجز الأمنية، ومعظمها أمام بقية النازحين، وبعضها يكون اغتصاباً جماعياً. تقول هدى (42 سنة)، وهى ضحية اغتصاب: "الجريمة أصبحت متكررة على الحواجز الأمنية وفي أي مكان يمر به النازحون، كما تقع في بعض القرى الصغيرة الواقعة حول المناطق التي تدور فيها المعارك. أنا أم لأربعة أطفال، وما جرى لي مؤلم، إذ جرى اغتصابي بعد تجريدي من أغراضي الشخصية في 27 أكتوبر الماضي أثناء الفرار من الفاشر نحو قرني، التي تحولت إلى مخيم يقيم فيه آلاف النازحين".
وتضيف: "جرائم الاغتصاب تتم في العلن، وغالباً أمام بقية النازحين. المسلحون يمارسون كل الجرائم، بما فيها الاغتصاب والقتل من دون أدنى خوف من المساءلة، فلا أحد يمكنه منعهم من ارتكاب أي جريمة. بعد مغادرتي الحاجز الأمني، لحق بي مسلح وأجبرني على خلع ملابسي، واغتصبني في العراء، ولم تشفع لي توسلاتي له بأن يتركني أمضي لحال سبيلي، ولم يتركني إلا بعد أن كدت أفقد الوعي من هول الصدمة. أعيش آلاماً مبرحة منذ اغتصابي، ويتراءى لي الحدث باستمرار، ما يجعلني غير قادرة على نسيانه".
وفي أكتوبر الماضي، تم توقيف خمس فتيات على أحد الحواجز الأمنية أثناء نزوحهن نحو طويلة، وفصلن عن عائلاتهن، ثم نقلن إلى مبنى سجن شالا العمومي، الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهناك جرى اغتصابهن لعدة أيام قبل إطلاق سراحهن. ويقول أحد أقرباء الفتيات لـ"العربي الجديد": "اختفت الفتيات بعد فصلهن عن أسرهن خلال رحلة النزوح، وحين أطلق المسلحون سراحهن بعد خمسة أيام، أبلغوا العائلات باغتصابهن داخل مبنى السجن".
بدوره، يؤكد محيي الدين محمد عبد الله، وهو نازح من الفاشر إلى طويلة، لـ"العربي الجديد": "أثناء رحلة نزوحنا، كان المسلحون يستوقفون النساء، ويغتصبونهن، وقد سجلنا عدة حالات اغتصاب أثناء حصار الفاشر، وحالات أخرى بعد سقوطها في أيدي قوات الدعم السريع".
كان السوداني عبد الحميد هارون شاهداً على جريمة اغتصاب حدثت أمام أكثر من مائة نازح على أحد الحواجز الأمنية الواقعة غربي مدينة الفاشر، ويقول لـ"العربي الجديد": "عشت مشهداً صادماً يفوق صدمة الفرار من جحيم الحرب، فبينما كنا في الطريق الرابط بين قريتي هشابة وقرني بالريف الشمالي الغربي للفاشر، أوقفنا مسلحون في أحد ارتكازات قوات الدعم السريع، وقام أحد المسلحين باختيار أم عشرينية، ثم اغتصبها أمام أعيننا، بينما كان يجري تفتيش أخريات بشكل مهين لكرامة المرأة من قبل مجموعة أخرى من المسلحين".
ويصف هارون الواقعة بأنها "أسوأ مشهد يمكن أن يراه إنسان. كانت المرأة تصرخ بأعلى صوتها، ولم يكن أي منا قادراً على تخليصها من بين أيدي المسلح، الذي لم يكن مهتماً لوجودنا من حوله، وقد ارتكب جريمته علناً بينما لم يكن بوسعنا حتى النطق بكلمة واحدة. شهدت خلال فترة الحرب الكثير من المشاهد الصادمة، لكن صدمتي هذه المرة كانت استثنائية، وأتوقع أن تلازمني لفترة طويلة، فرغم مرور أكثر من أسبوعين على الواقعة، ما زالت أشعر بالصدمة مما حدث للمرأة، وأسمع صوتها تتوسل إلينا أن نساعدها، ما يجعلني أعاني من شعور بالذنب وإحساس بالعجز".