جبل شنوة... جزائريات يبحثنَ عن عودة إلى الطبيعة

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:21 (توقيت القدس)
يمارسون المشي في جبل شنوة، تيبازة، نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في جبل شنوة، تبنت النساء الجزائريات رياضة المشي في الغابات، متحديات احتكار الرجال، بهدف التحدي، المغامرة، والتخلص من ضغوط العمل، مما يعكس وعيهن بأهمية الرياضة للصحة الجسدية والنفسية.

- المشي يُعتبر حلاً فعّالاً للحفاظ على الصحة، حيث يُخفض الكوليسترول ويحسن المزاج، ويقي من أمراض القلب والسكري. كما يعزز العلاقات الاجتماعية ويخفف التوتر.

- بعد العشرية السوداء، تبنت العائلات الجزائرية نمط حياة نشط، رغم تحديات نقص المساحات والعادات الاجتماعية، مما يعكس تطوراً في تفكير المرأة الجزائرية.

في جبل شنوة الواقع بولاية تيبازة غرب الجزائر العاصمة، اختارت مجموعة من النساء العودة إلى الطبيعة من خلال المشي في الغابات، هذه الرياضة التي احتكرها الرجال على مدى سنوات نظراً إلى طبيعة مساراتها. لكنّ حب التحدّي والمغامرة، وكذلك محاولة التخفيف من الوزن والتخلّص من ضغوط العمل، دفع بهؤلاء الجزائريات إلى إنشاء مجموعات تُعنى بهذه الهواية لتأطيرها وتشجيع أكبر عدد من النساء على ممارستها.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط اليومية وتتسارع وتيرة الحياة اليومية، صارت رياضة المشي في الجزائر واحدة من أبسط الحلول وأهمّها، تلك التي تلجأ إليها النساء للحفاظ على صحتهنّ الجسدية كما النفسية. وهذه الرياضة لا تتطلّب مستلزمات معقّدة، بل إرداة وحبّاً للمغامرة والاستكشاف. فالمشي بحسب رأي نساء تحدّثنَ إلى "العربي الجديد" ليس مجرّد نشاط بدني فحسب، إنّما أسلوب حياة يعكس اهتمام المرأة بصحتها ورفاهها النفسي وخروجها من القوقعة التي تعيش فيها يومياً، سواء مع تزايد المسؤوليات في المنزل أو في مكان العمل.
وتقول رئيسة جمعية ترقية المرأة فاطمة أمزال لـ"العربي الجديد" إنّ "استجابة النساء لمثل هذه المبادرات يعكس مدى الوعي لديهنّ بضرورة ممارسة الرياضة، إذ إنّ كلّ خطوة تحدث فارقاً وتعزّز سلامتهنّ الصحية". وتحت شعار "صحتك بين يديك"، نظّمت جمعية ترقية المرأة، بالتنسيق مع هيئات من قبيل إداراة الغابات ومصالح الدرك، رحلة في أعالي جبال شنوة انطلاقاً من منطقة البلج. وتجمّعت المشاركات عند نقطة الانطلاق، حيث شرح لهنّ الدليل مسار المشي، مع تحديد محطات التوقّف. وعند بلوغ نقطة الوصول، عكس المشهد التحدّي الذي ترفعه هؤلاء النساء، خصوصاً أنّ ثمّة أجزاء من مسار المشي صعبة على عدد من اللواتي يشاركنَ للمرّة الأولى ومن الأكبر سنّاً.
من جهتها، تشرح المتخصّصة في التغذية سعاد فرحي التي ترافق النساء في رحلات المشي، لـ"العربي الجديد"، أنّ كثيرات يجدنَ صعوبة في البداية، غير أنّ المشاركات المواظبات يمددنهنّ بالقوة لاستكمال مشيهنّ حتى نقطة النهاية. وتبيّن أنّ في إمكان المشي أن يخفّض نسبة الكوليسترول الضار في الجسم، ويحسّن المزاج بصورة ملحوظة، خصوصاً لدى النساء اللواتي يعانينَ من ضغوط العمل أو من مسؤوليات الأسرة، بالإضافة الى الوقاية من أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، إذ يساعد في تحسين الدورة الدموية وتنشيط العضلات والمفاصل.

جبل شنوة في ولاية تيبازة شمالي الجزائر - مايو 2011 (Getty)
يرتفع جبل شنوة عند البحر المتوسط، تيبازة، مايو 2011 (Getty)

ولا يقتصر أثر المشي على الجانب الجسدي فحسب، بل يمتدّ ليطاول الصحة النفسية. والمشي في الأماكن المفتوحة يخفّف من التوتّر ويمنح إحساساً بالحرية والراحة، كذلك فإنّ المشي في مجموعات نسوية في الهواء الطلق، وسط خضرة الغابات وزرقة البحر، يساهم في خلق روح تعاون ويعزّز العلاقات الاجتماعية.
وتترقّب نساء كثيرات مثل هذه النشاطات للتخلّص من ضغوط العمل التي ترهقهنّ طوال الأسبوع. في هذا الإطار، تقول عايدة بناي، موظفة في شركة "اتصالات الجزائر" ومن المشاركات في فريق "خطوات وردية" النسائي للمشي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "المشي صار جزءاً من حياتي اليومية، لا يمنحني النشاط  البدني فحسب، بل يجعلني أتعرّف إلى نساء أخريات. ونتبادل الأحاديث ونتشارك الأفكار خلال المشي، ونتبادل كذلك الخبرات وأرقام هواتفنا لنشكّل شبكة علاقات مميزة عبر مختلف المحافظات".

وبعد خروج الجزائر من نفق العشرية السوداء وانفتاح العائلة الجزائرية على نمط جديد من العيش، راحت تُسجَّل مبادرات عائلية ذات صلة. لكن مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وزيادة الوعي بضرورة ممارسة الأنشطة البدنية للحفاظ على الصحة بسبب تغيّر العادات الغذائية وغيرها في المجتمع، نجحت مجموعات عديدة في الترويج لرياضة المشي في الجبال، التي صارت تُنظَّم بطريقة موسّعة ومؤطّرة. لكنّ ثمّة نساء ما زلنَ يواجهنَ صعوبات، من قبيل نقص المساحات المخصّصة للمشي أو العادات الاجتماعية التي تحدّ من ممارستها في عدد من المناطق بزعم أنّ هذه الرياضة تستهدف الرجال فقط، وخروج النساء في مجموعات من "المحرّمات".
قي سياق متصل، يقول المتخصّص في علم الاجتماع حليم مصطفى لـ"العربي الجديد" إنّ "هذه الظاهرة الجديدة تمثّل طفرة نوعية في تفكير المرأة الجزائرية، وهي ليست معارضة لتقاليد المجتمع شريطة أن تكون في إطار منظّم حتى لا تغذّي تلك النظرة السلبية إزاء خروج المرأة وحدها؛ فكثيرون هم الجزائريون الذين ما زالوا يصفون الأمر بأنّه انحلال أخلاقي". ويشدّد مصطفى على أنّ "ممارسة المرأة الرياضة في الفضاء العام هو حقّ مثل باقي الحقوق التي كسبتها المرأة الجزائرية، في امتداد للحقّ في التعليم والصحة والتوظيف".

المساهمون