استمع إلى الملخص
- تتعرض العائلات لمآسي متكررة، مثل عائلة أبو عكر التي فقدت سبعة أفراد وعائلة الحطاب التي فقدت 25 شخصًا، مما يترك أثرًا عميقًا على الناجين الذين يبحثون عن أحبائهم تحت الأنقاض.
- حتى في أوقات الهدوء، تستمر مراسم التشييع، حيث تعكس قصص مثل بهجت طنطيش الشجاعة في مواجهة المخاطر اليومية رغم الألم المستمر.
يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة في حالة تأهب دائمة خشية توديع من يحبون في أية لحظة، فتراهم إما في ثلاجات الموتى أو في بيوت العزاء يواسون بعضهم بعضاً ويخشون الأسوأ
داخل ثلاجات الموتى، تتكرر المشاهد نفسها. أم تحتضن طفلها الشهيد وتضمه بقوة إلى صدرها، وأخرى تبكي على جثمان والدها، وشابٌ يصرخ من القهر وهو يودع شقيقه، وطفل يتشبث بجثمان والده ويخاطب روحه... كما تتكرر مشاهد الجثامين وجنازات التشييع، وهي لحظات قاسية تمر ثقيلة على قلوب ذوي الشهداء، فيبكون أو يصرخون بقهر وحزن محاولين كسر جدار الصمت المخيم على العالم.
بعيون دامعة، تقف وداد إلى جانب جثامين سبعة أفراد من عائلتها شهداء، بينهم طفلان ووالدتهما نورا أبو عكر الحامل بشهرها الثامن، التي استشهدت برفقة جنينها فجر الاثنين (24 مارس/آذار) بعد قصف منزلها فوق رؤوس ساكنيه في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة. وكانت نساء العائلة يحاوطن وداد ويحاولن التخفيف عنها وعن بعضهن البعض.
كانت عائلة أبو عكر تستعد لتناول طعام السحور قبل أن يستيقظ معظم أفرادها، وعددهم 16، جراء تعرض المنزل لقصف إسرائيلي أدى إلى استشهاد سبعة أفراد، بينهم الحاجة ماجدة أبو عكر (63 عاماً)، وأولادها حسين (27 عاماً) وأحمد (34 عاماً) ومحمود (37 عاماً). كما استشهدت زوجة الأخير نورا مع جنينها، وابنتها سلمى (عامان) وسلامة (3 أعوام) لتمسح العائلة من السجل المدني.
في ثلاجة الموتى في المستشفى المعمداني (المستشفى الأهلي العربي) بمدينة غزة، كانت والدة الشهيد هشام سعد الله تودع نجلها وابن خالته محمد عبد الرحيم عودة، اللذين استشهدا بقصف إسرائيلي على حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، يوم 22 مارس الجاري. "خليك قوي (ابق قوياً)"... كان أحد الأصدقاء يحاول تهدئة شقيق الشهيد الذي لم يتحمل رؤية شقيقه مضرجاً بدمائه.
انتهى الشيخ من تكفين هشام الذي بقيت جثته كاملة، فيما مزق الصاروخ جسد عبد الرحيم الذي وصل ملفوفاً بغطاء، ولف بالكفن على هذه الهيئة. تجرأ بعض الأقارب على إلقاء نظرة وداع على ذلك الجسد الممزق، فيما فضل آخرون أن تبقى صورته مبتسماً في أذهانهم.
لم تمر دقائق أخرى حتى وصل أشخاص آخرون من العائلة. كان الجميع في حالة صدمة. ثم أدوا صلاة الجنازة وحملوا الجثمانين على عربتي "تكتك".
حزن لا ينتهي
ظلت والدة هشام تراقب ابتعاد الجنازة تدريجياً وهي تبكي وتصرخ: "بدري عليك يمّا" (رحلتَ باكراً). تقول لـ"العربي الجديد": "كنت ذاهبة لأداء واجب العزاء بسبب وفاة زوج ابنة شقيق زوجي. وأثناء جلوسي في بيت العزاء، جاءتني قريبة وقالت لي إن هناك شهيدان في منطقتكم. قلقت على ابني هشام لأنني أعلم أنه في المنطقة، ليتبين أنه شهيد. كأننا في دوامة مستمرة من الحزن لا تنتهي".
لم يكن هذا الاستهداف الأول الذي تعرض له هشام. فقبل ثمانية أشهر، أصابت قذيفة مدفعية إسرائيلية شرفة منزله أثناء جلوسه فيها. تقول والدته: "أصيب برأسه وفقد الوعي ودخل في غيبوبة ونقل إلى مستشفى الشهيد كمال عدوان، ثم نقل إلى مدرسة مجاورة للمستشفى. وأثناء اقتحام جيش الاحتلال، اعتقل مدة شهرين في ظروف صعبة". تضيف أنه كان طيب القلب ولم يؤذ أحداً. كان يعمل في مجال البناء ويساعد أهل المنطقة في العمل الخيري. يتجول بين النازحين ويساعد في نقل الركام، وفي لحظاته الأخيرة، كان يتلو القرآن فوق سطح بيته المدمر.
بعد مغادرة مكان تكفين الشهداء، وهو عبارة عن ممر فيه ستائر تغلق أثناء التكفين وتفتح بعد انطلاق الجنازات، وتخلو من ثلاجات لحفظ الجثامين كما هو متعارف عليه، عمد عمال إلى تنظيف الأرضية من الدماء استعداداً لاستقبال شهداء جدد، في مدينة لا يتوقف فيها شلال الدم.
وحتى في أوقات الهدوء، لا تتوقف مراسم التشييع. فإن لم تحدث مجازر واستهدافات، ينتشل الأهالي شهداء من أسفل ركام الأبنية المدمرة، مع وجود أكثر من 10 آلاف مفقود.
بعد أسبوع من الحفر في ثلاث طبقات مكومة فوق بعضها البعض بأدوات بسيطة، وصل جثمان الشهيد إسلام الحطاب (40 عاماً) ظهر الثلاثاء الموافق 25 مارس إلى المستشفى المعمداني، وهو آخر الشهداء الذين انتشلوا في مجزرة عائلة الحطاب، التي استشهد فيها 25 شخصاً بقصف إسرائيلي لمنزل العائلة فوق رؤوس ساكنيه من الأطفال والنساء في الثامن عشر من الشهر نفسه.
وبينما كان العاملون يكفنون الشهيد، يحكي ابن عمه أنس الحطاب لـ"العربي الجديد" تفاصيل ما حدث قائلاً: "كان البيت ممتلئاً بالأطفال والنساء، وكان هناك قرابة 27 شخصاً من كافة الأعمار. لكن الاحتلال قصف البيت ولم ينجُ سوى شخصين من المجزرة".
بأدوات بدائية، تجمع أفراد الحي والعائلة للمساعدة في انتشال الشهداء والمصابين الاثنين. ويصف أنس الوضع بالقول: "كمن يريد نقل جبل بيديه"، واستغرق انتشال آخر الشهداء أسبوعاً كاملاً. يضيف: "كنا فقط نتوقف عن الحفر خلال الليل للنوم ونعود في الصباح الباكر لإكمال المهمة الشاقة".
رحل الشهيد إسلام الحطاب مع زوجته وجميع أولاده، واستشهد معه شقيقه وسيم (60 عاماً) مع زوجته وأولاده. كما استشهدت الوالدة المسنة أم أسامة (80 عاماً). ويقول أنس إن "القصف خلف دماراً هائلاً في الحي، وهناك دمار وأضرار في البيوت المحيطة". عمل إسلام مدرساً في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا". وعن صفاته، يقول أنس إنه "كان رجلاً ملتزماً يشهد له بالصلاح، ولديه علاقة طيبة مع جميع الجيران".
ذهب ولم يعد
بسرعة، استقلت جواهر سالم (46 عاماً) سيارة نقلتها إلى المستشفى الإندونيسي عندما علمت بإصابة زوجها بهجت طنطيش (56 عاماً) أثناء ذهابه لجلب أغراض من منزلهم الواقع بحي الشيماء شمالي بلدة بيت لاهيا. وما إن وصلت إلى بوابة المستشفى، حتى سألت شاباً قابلته: "وين (أين) الجرحى اللي (الذين) وصلوا اليوم؟". فأجابها الشاب: "وصل شهيد واحد فقط". لم يكن يدرِي ثقل تلك الكلمات على قلب السيدة.
تقدمت نحو ثلاجة الشهداء على أمل أن يكون الشاب مخطئاً. لكنها رأت زوجها ممدداً تملأ الدماء وجهه، نائماً بلا حركة. أمسكت يديه وراحت تبكي، وهي تسند رأسها على كتف نجلها الذي راح يمسكها خشية السقوط. تقول لـ"العربي الجديد": "فوجئت بذهابه إلى البيت لأننا كنا قد نزحنا إلى وسط بلدة بيت لاهيا. لم يخبرني أنه يريد إحضار بعض الأغراض من البيت. هاتفته قبل وقت قليل من استشهاده، فأخبرني أنه سيخرج من البيت الآن. ثم عاودت الاتصال فلم يرد. كررت المحاولة فسمعت صراخ ابني حسن (18 عاماً)، ثم قال: بعدين بنحكي (نتكلم لاحقاً)، وأغلق الهاتف وكان يرافقهما ابني حسين (عشر سنوات). عاودت الاتصال بشقيق زوجي الذي كان يرافقه وأخبرني أنه مصاب وبحالة جيدة، لأجده وقد استشهد".
تضيف بحسرة: "عندما وصلت، كان الأمر صادماً. عشنا معاً 30 سنة. كان رفيق الدرب والزوج والصاحب وكل حياتي، كان طيب القلب يحسن التعامل مع الأطفال. لدينا ابنة من الأشخاص ذوي الإعاقة تعاني من ضمور وشلل دماغي. كان يلعب معها الكاراتيه بلطف كونه مدرباً. وكان عوناً لي في تربيتها".
وطنطيش نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للعبة الكاراتيه، وقد مارس هذه الرياضة بعمر 18 سنة، وحاصل على بطولة شرق آسيا للكاراتيه عام 1995، بحسب ابنته سهام (25 عاماً). تقول لـ"العربي الجديد": "كنت أتبع خط سيرهم إلى البيت. ورغم أن المسافة تستغرق عشر دقائق سيراً على الأقدام، وصلوا بعد ساعتين لأن أبي كان طوال الطريق يسلم على كل من يقابله. أصيب بقذيقة دبابة أدت إلى استشهاده. وقبل أن يذهب إلى البيت، قال لي: هذه المرة الأخيرة التي سأذهب إليه بهذا الوضع. لم ينجُ".
اعتادت العائلة جرأة الوالد. فخلال فترات النزوح الكثيرة، كان يذهب لتفقد المنزل أو لجلب أغراض، ويطل على أرضه الزراعية. اعتادوا على عودته رغم المخاطر الكثيرة. لكن هذه المرة ذهب وعاد جثة هامدة.