تونس: مبادرات تطوّعية لإنقاذ السلاحف البحرية وحماية أعشاشها

02 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:48 (توقيت القدس)
معالجة سلحفاة بحرية في جزر قرقنة التونسية، 18 ديسمبر 2024 (أكيم رزقي/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه السلاحف البحرية في تونس تهديدات متعددة مثل الصيد العرضي والتلوث البلاستيكي والضوئي، مما يعيق تكاثرها. تتضمن الجهود لحمايتها مبادرات تطوعية لمراقبة الأعشاش وتنظيم دوريات ليلية، بالتعاون مع المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار والجمعيات البيئية.

- تضم السواحل التونسية ثلاثة أنواع رئيسية من السلاحف البحرية، وتعتبر حمايتها مسؤولية مجتمعية للحفاظ على التوازن الإيكولوجي البحري. تتسبب التهديدات في تقليص أماكن التعشيش، مما يجعل حماية كل عش مكسباً بيئياً مهماً.

- تعكس المبادرات التطوعية تنامي الوعي البيئي، لكن هناك حاجة لاستراتيجية وطنية لحماية مواقع التعشيش والحد من التلوث البحري. يستند الجهد القانوني إلى قانون الصيد البحري لعام 1994، الذي يحظر صيد السلاحف البحرية.

تواجه السلاحف البحرية في تونس مخاطر عديدة تهدّد تكاثرها، من بينها الصيد العرضي والتلوث البلاستيكي والضوئي، والأنشطة البشرية فوق أماكن التعشيش، ما استدعى انطلاق مبادرات تطوّعية لحمايتها.

مع حلول فصل الصيف، تتحوّل أجزاء من الشريط الساحلي التونسي إلى موطن مؤقت للسلاحف البحرية، إذ تخرج إناث السلاحف ليلاً لتضع بيضها في الرمال، قبل أن تبدأ سباقاً مع الزمن بين الحياة والموت، بسبب المخاطر التي قد تتعرّض لها أعشاش البيض، وتؤدّي إلى تلف الأجنّة. وبرزت خلال الأعوام الأخيرة مبادرات يقودها متطوّعون يسهرون على مراقبة الأعشاش، وتسييجها، ووضع لافتات تحذيرية حولها، لمنع دهسها بواسطة المركبات أو دوس المصطافين عليها، خصوصاً أنّ الآلاف منهم يقصدون الشواطئ التونسية صيفاً. كما يبادر المتطوّعون إلى تنظيم دوريات ليلية لمتابعة عمليات التعشيش، حتى موعد تفقيس البيض.

وتنتشر هذه المبادرات خاصة على شواطئ ولاية نابل (شمال شرق)، وسواحل الوسط على غرار المهدية والمنستير وسوسة، حيث يسجّل أغلب عمليات التعشيش، بالتنسيق مع المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار، والجمعيات الكشفية والبيئية. ويجرى تطويق العشّ بالحبال والأوتاد وتركه في مكانه الطبيعي، تجنّباً لدهس البيض من قبل المصطافين أو نقل الأعشاش، ما قد يتسبّب في تلف الأجنّة بالكامل. ويتحدث النشطاء عن مخاطر عدّة تهدّد هذه الكائنات، من بينها؛ الحركة الكثيفة للمصطافين، ومرور السيارات والدراجات على الرمال، إلى جانب إقامة المظلات والكراسي فوق أماكن التعشيش، فضلاً عن التلوث الضوئي الذي يُربك صغار السلاحف عند خروجها من البيض، فتتّجه نحو الأضواء الاصطناعية بدل البحر.

ويقول حامد ملاط، وهو أحد الناشطين في حماية السلاحف البحرية، إنّ السواحل التونسية تضمّ ثلاثة أنواع رئيسية من السلاحف؛ وهي السلحفاة ضخمة الرأس، وتُعدّ الأكثر انتشاراً، وتُعرف محليّاً باسم "فكرون البحر"، كما أنّها النوع الوحيد الذي يُعشّش بانتظام على شواطئ تونس، إلى جانب السلحفاة الخضراء، وهي أقلّ عدداً ونادرة الظهور، إضافة إلى السلحفاة جلدية الظهر، وهي أكبر السلاحف البحرية في العالم، وتُشاهَد عرضياً في المياه التونسية من دون أن تعشّش عادةً على السواحل. ويؤكّد ملاط لـ"العربي الجديد" أنّ حماية أعشاش السلاحف البحرية مسؤولية مجتمعية مهمّة من أجل الحفاظ على هذه الكائنات المهمّة في التوازن الإيكولوجي البحري، مشيراً إلى أنّ أغلب أعشاش السلاحف كانت تظهر في جزر قوريا بولاية المنستير، وعند شواطئ ولاية المهدية، وبدرجة أقلّ عند شواطئ ولاية نابل.

الصورة
سلحفاة بحرية نافقة نتيجة التلوث في قابس، 22 مايو 2023 (ياسين غايدي/الأناضول)
سلحفاة بحرية نافقة نتيجة التلوث في قابس، 22 مايو 2023 (ياسين غايدي/الأناضول)

ويتحدّث الناشط التونسي عن ظهور أعشاش في شواطئ تقليدية لتعشيش السلاحف في خلال الأعوام الأخيرة، معتبراً أنّ ظهور هذه الأعشاش مؤشّر جيّد إلى تكاثر السلاحف على امتداد الشريط الساحلي التونسي. ويقول: "من أجل ذلك يجب أن تتجنّد الجمعيات البيئية والنشطاء والمواطنون لحماية الأعشاش، لأنّ السلاحف تواجه مخاطر جدّية بسبب الأنشطة البشرية، إذ يؤدّي التلوث البلاستيكي إلى قتلها، بسبب ابتلاعها الأكياس، ظنّاً منها أنها قناديل بحر، بينما يؤدّي الصيد العرضي بواسطة الشباك إلى نفوق أعداد كبيرة منها، إضافة إلى تأثيرات تغير المناخ وارتفاع درجة حرارة الرمال، ما يؤثر في معدل تفقيس البيض، وحتى التوازن بين الذكور والإناث.

وبحسب ملاط، تتسبّب عمليات التوسّع العمراني على السواحل، وتآكل الشواطئ، واختفاء المناطق الرملية الطبيعية في تقلّص أماكن التعشيش، عاماً بعد آخر، ما يجعل كلّ عشّ يُكتشف ويُحمى مكسباً بيئيّاً مهمّاً. ويتابع: "تُعدّ السلاحف البحرية مؤشّراً حسيّاً لمراقبة صحة البيئة البحرية، وهناك حاجة إلى مراقبتها لمدة 24 ساعة في فترة الحضانة التي تتراوح ما بين 50 و60 يوماً، تبعاً لدرجة الحرارة، وذلك لتجنّب التدخل البشري أو الحيواني. كما يحتوي العشّ عادةً ما بين 90 و150 بيضة".

ويرى الناشطون أنّ نجاح هذه المبادرات التطوّعية يعكس تنامي الوعي البيئي لدى التونسيين، لكنّه لا يُغني عن إقرار استراتيجية وطنية لحماية مواقع التعشيش، وتشديد الرقابة على الشواطئ الحسّاسة، والحدّ من التلوث البحري، خصوصاً أنّ السلاحف البحرية تُعدّ مؤشّراً أساسيّاً على صحة المنظومة البيئية البحرية. ولحشد الدعم، يُطلق ناشطون حملات توعية على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل حماية هذه الكائنات، وإدراك أهميتها في التوازن الإيكولوجي للبحر الأبيض المتوسط.

وقانونيّاً، تستند تونس في حماية السلاحف البحرية إلى قانون صدر عام 1994 يتعلق بالصيد البحري، إذ ينصّ على أنّه "يتعيّن إرجاع الأصناف المائية المحجر صيدها إلى الماء فوراً أو قبل التحاق المركب بالميناء عند تعذر ذلك"، كما ينصّ على أنّه "يُمنع نقل الأصناف المائية المحجر صيدها وكذلك بيعها أو خزنها أو تحويلها أو استعمالها طعوماً، باستثناء النسبة المحدّدة في القانون".

وكشفت دراسة علمية نُشرت في عام 2023 في مجلة أنيمالز (مجلة دولية محكمة)، أنجزها أساتذة وباحثون من جامعة صفاقس بالتعاون مع المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بباريس، أنّ الصيد العرضي يُعدّ من أخطر التهديدات التي تواجه السلاحف البحرية في تونس. وبالاعتماد على 483 مقابلة مع صيادين في 19 ميناء تونسياً، قدّرت الدراسة أنّ نحو 11,740 سلحفاة بحرية (جرى إرجاع أغلبها للبحر) تُصطاد سنويّاً في تونس، خصوصاً بواسطة شباك الجر التي تُسبّب التأثير الأكبر، نتيجة كثافة استخدامها.