استمع إلى الملخص
- تشهد الأسرة التونسية تغييرات عميقة، حيث انتقلت من الأسر الموسعة إلى الأسر الصغيرة، مما أدى إلى تراجع قيم الترابط. تتطلب هذه التغيرات استراتيجيات جديدة لبناء العلاقات الأسرية وتوفير سياسات عامة فعالة.
- تواجه الطبقة المتوسطة تحديات بسبب التحولات الديمغرافية وتأجيل المشاريع الحياتية، مما أدى إلى تراجع معدلات الخصوبة وزيادة نسبة كبار السن، ويتطلب ذلك استعداد السلطات للتغيرات المجتمعية.
تعمل السلطات التونسية على خطط لمعالجة التفكّك الأسري وتعزيز قدرة الأسر على مواجهة التحديات الاجتماعية، تشمل مشروعاً للإعداد والتأهيل للحياة الزوجية يستمر تنفيذه حتى عام 2035، وكشفت وزارة الأسرة والمرأة مؤخراً، عن الخطة التنفيذية له.
ويهدف المشروع لتطوير القوانين الوطنية التي تدعم تماسك الأسر في ظلّ ارتفاع قياسي في حالات الطلاق السنوية. وقالت وزيرة المرأة والأسرة، أسماء الجابري، إن الخطة الوطنية لدعم الأسر التي ستنفذ خلال السنوات العشر القادمة تستند إلى آليات الدعم الاقتصادي والاجتماعي للأسر، ومراجعة المنظومة التشريعيّة الوطنيّة لتلائم الواقع والالتزامات الدوليّة.
وتوضح الجابري أن "الهدف هو الحدّ من التفكّك الأسري، وتقليص تداعياته من خلال تمكين المقبلين على الزواج من المهارات والمعارف والقدرات الضرورية لاستيعاب المسؤوليات التي تفرضها مؤسسة الزواج"، وأكدت في منشور على الصفحة الرسمية للوزارة على موقع "فيسبوك"، أن "مكافحة هشاشة الأسر يتطلب إدارة جيّدة للموارد، وترسيخ ثقافة الصحة الجسديّة والنفسيّة كأساس لبناء علاقة زوجية سليمة. مكونات الخطة تتضمن التوعية والتكوين والإحاطة والمرافقة والدعم، وتستهدف فئات واسعة، خاصة الشباب المقبلين على الزواج والأسر الشابة"
وبحسب نتائج تعداد السكان لعام 2024، يقدر عدد الأسر في تونس بأكثر من 3,4 ملايين أسرة، بمتوسط 3,4 أفراد للأسرة الواحدة، مقارنة بمتوسط 4,4 أفراد في عام 2006. ويرى الباحث في علم الاجتماع، فؤاد غربالي، أن مكافحة هشاشة البناء الأسري يحتاج إلى سياسات عامة متكاملة تضمن التمكين الاقتصادي للأفراد على نحوٍ أساسي، معتبراً أن التمكين الاقتصادي وتحسين الظروف المادية للعائلات يضمن الحد الأدنى من الاستقرار، ويسهل تنفيذ استراتيجيات الدعم.
ويوضح غربالي لـ"العربي الجديد"، أن "الأسرة التونسية تشهد تغيّرات عميقة على مستوى التركيبة والعلاقة بين أفرادها، فالمجتمع التونسي انتقل سريعاً من العيش ضمن أسر موسعة إلى الأسر الصغيرة التي تسيطر الفردانية على سلوكيتها، ما أدى إلى تراجع قيم الترابط بين أفرادها. تتحمل الدولة جزءاً من مسؤولية الهشاشة الأسرية، إذ تخلت منذ الثمانينيّات عن دورها الاجتماعي، ما أدى إلى ترك الأسر لمصيرها في المتطلبات المعيشية على حساب الاستقرار النفسي لأفرادها".
ويتابع: "يجب أن تعيد الاستراتيجيات الجديدة بناء العلاقة بين أفراد الأسر عبر الحدّ من أسباب الطلاق وتأخر سن الزواج والعزوف عن الإنجاب، والسياسات العمومية الناجعة للسكن والصحة والتعليم والنقل توفر للمواطنين ظروف عيش جيّدة تسمح ببناء أسر متوازنة، كما أن تخفيف أعباء الحياة عن الأسر، وإعادة النظر في تقاسم الأدوار بين الأبوين يكبح تأثيرات الوسائط الجديدة على الأطفال واليافعين، فالأسر المنهكة بتوفير متطلبات المعيشة تتخلى عن دورها التربوي، وتفسح المجال أمام غزو وسائل التواصل الاجتماعي".
ويعتقد غربالي أن "الأسرة التونسية لن تكون مستقبلاً كما كانت في السابق، فالبناء التقليدي للأسر يتفكك، وأصبحت العائلات أكثر تقبلاً لنماذج عيش هجينة، ما يتطلب تشريعات أسرية جديدة تواكب التحولات العميقة في المجتمع. تراجع نسب الإنجاب والتحديات المعيشية تعيد تشكيل القيم الاجتماعية، وتسهم في تفكيك النموذج التقليدي للأسرة الممتدة في مقابل تبلور قيم جديدة تخالف المنظومة الأسرية التقليدية ناجمة عن تأخر سن الزواج، وزيادة نسب الطلاق، وعدم الرغبة في الإنجاب".
وكشف المعهد الوطني للإحصاء (حكومي)، في سبتمبر/أيلول الماضي، عن ارتفاع نسب الطلاق في تونس خلال العقدَين الأخيرَين، إذ ارتفعت نسبة المطلقين من 0.5% في سنة 2004 إلى 1.4% في سنة 2024، في حين ارتفعت نسبة المطلقات من 1.5% إلى 2.8%.
وصارت الطبقة المتوسطة في تونس تواجه تمدّداً غير مسبوق لمرحلة الشباب، وتأجيلاً قسرياً للمشاريع الحياتية، مثل الزواج والإنجاب، وحتى الاستقلال المهني، ولم يعد أفرادها يعيشون تسلسلاً زمنياً تقليدياً يشمل الدراسة والعمل، ثم امتلاك منزل، وبعدها الزواج وتكوين أسرة، بل صار يسير في مسارات دائرية متأخرة أدت إلى هبوط سريع في إمكانيات تجدّد الأجيال مقارنة مع تقدم المجتمع نحو الشيخوخة.
وأفضى تسارع التحولات الديمغرافية وبروز ملامح هرم السكان إلى اقتناع السلطات بضرورة أن تتهيأ للتغيرات التي طرأت على المجتمع الذي اتّسم طوال العقود الماضية بفورة شبابية جعلته في غنى عن تشغيل كبار السن. وأظهرت نتائج المسح السكاني أن ملامح المجتمع تتغير، وأن البلاد تشهد تراجعاً حاداً في تجدد الأجيال بعد تسجيل انخفاض قياسي في معدلات الخصوبة، وارتفاع متوسط العمر إلى 35,5 سنة، وسط توقعات بأن يشكل كبار السنة خلال العقد القادم 17% من مجموع السكان.