تونس تطلق أول مجلس أعلى للتربية تمهيداً لإصلاح تعليمي شامل

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 19:51 (توقيت القدس)
أمام إحدى مدارس تونس، 15 سبتمبر 2023 (ياسين قايدي/ الأناضول)

أطلقت تونس أوّل مجلس أعلى للتربية والتعليم للبلاد، اليوم الاثنين، وذلك بعد نشر قائمة أعضائه في الجريدة الرسمية في نهاية الأسبوع المنصرم، تحديداً في 14 أغسطس/ آب الجاري. وقد عُيّن وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري كاتباً عاماً لهذا المجلس الذي عقد جلسته الافتتاحية اليوم، وذلك استناداً إلى أمر رئاسي حمل الرقم 204 لسنة 2026، بتاريخ 12 أغسطس الجاري. ومن المتوقّع أن يقود المجلس، وفقاً لتأكيدات سابقة لرئاسة الجمهورية، الإصلاح التعليمي الذي يشمل التعليم المدرسي وكذلك العالي بالإضافة إلى التدريب المهني، ويربط بينها وبين احتياجات المجتمع وسوق العمل.

وكان المجلس الأعلى للتربية والتعليم قد تأسّس بموجب دستور تونس 2022، ليصدر مرسوم تنظيمه رقم 2 لسنة 2024 فيكون بالتالي المظلة الجامعة لقطاعات التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني. وهو يتولّى رسم سياسات شاملة تهدف إلى إصلاح منظومة التعليم والتشغيل في تونس وتطويرها، وتتمثّل أبرز مهامه في إبداء الرأي بخصوص الخطط الوطنية الكبرى إلى جانب تقديم القراءة النقدية والمشورة التوجيهية للخطط الحكومية الشاملة في مجالات التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، كذلك تُعهَد إليه صياغة الرؤى الاستراتيجية لإصلاح المناهج التربوية والزمن المدرسي والجامعي لضمان جودة التعليم، وغير ذلك.

وتطالب جهات عديدة في تونس اليوم، بما في ذلك نقابات المدرّسين، بمشروع إصلاح تربوي يشمل جميع المتدخّلين في العملية التربوية، ويغطّي المناهج الدراسية وتكوين المربّين وتحسين البنى التحتية لمؤسسات التعليم، في وقت تواجه فيه البلاد مستويات عالية من التسرّب المدرسي تصل إلى حدّ 100 ألف حالة سنوياً.

ويقول الخبير التربوي لدى المنظمات الدولية ورئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم سليم قاسم إنّ الملفات التي تنتظر المجلس الأعلى للتربية والتعليم بالغة الأهمّية والتشعّب، أبرزها الانتقال من إدارة المنظومة إلى حوكمتها وإعادة رسم مسالك التعليم والتكوين. ويشرح قاسم لـ"العربي الجديد" أنّ "المنظومة التعليمية في تونس ظلّت إلى حدّ بعيد تبني نجاحها على مسار أكاديمي عام يكاد يكون الطريق الأوحد نحو الاعتراف الاجتماعي، فيما بقي التعليم التقني والتكوين المهني في موقع أدنى، على الرغم من حاجة الاقتصاد والمجتمع المؤكدة إلى مهارات متنوعة".

ويوضح قاسم أنّ "من المطلوب تعديل الشعب الدراسية، وبناء منظومة مرنة تسمح بالانتقال بين التعليم العام والتقني والتكوين المهني والتعليم العالي"، إلى جانب "إعادة التوجيه في مراحل مختلفة من الحياة التعليمية والمهنية، بما يفتح فرصاً حقيقية للتعلّم مدى الحياة". ويشدّد على دور المجلس الأعلى للتربية والتعليم في إعادة بناء المهن التربوية في البلاد، مشيراً إلى "عدم إمكانية نجاح أيّ إصلاح من دون إعادة الاعتبار إلى المهن التربوية".

يضيف الخبير التربوي التونسي أنّ "مهنيّي التعليم ليسوا موارد بشرية بل هم أصحاب مهن تحتاج إلى مسارات واضحة للتكوين الأولي والانتداب، ثمّ المرافقة عند الدخول إلى المهنة، والتطوّر المهني، والتقييم، والحوافز، والقيادة التربوية، وتشجيع المبادرات المتجدّدة وتثمين الممارسات التربوية الجيدة ونشرها".

ويبيّن قاسم أنّ "بناء الإنسان عبر مسالك التعليم هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن تُقاس به المناهج، وطرق التدريس، والامتحانات، وتكوين المدرّسين، بل السياسات التعليمية كلها" وفقاً لتقديراته. ويرى "ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التغييرات التي يقدم عليها قطاع التعليم عبر الذكاء الاصطناعي في أيّ عملية إصلاح، إلى جانب تأثيرات التحوّلات الديموغرافية والهجرة وتغيّر المناخ في المدرسة والجامعة ومهن المستقبل".

وعلى الرغم من عقود من استثمار تونس في التعليم، ما زالت الأمية حاضرة في البلاد. وتُظهر بيانات البنك الدولي الأخيرة أنّ معدّل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى البالغين ارتفع إلى نحو 86.3% في أحدث سنة متاحة، ما يعني بقاء نسبة غير قليلة من السكان خارج دائرة الإلمام الكافي بهما.

كذلك أظهرت التقييمات الدولية التي شاركت فيها تونس، من بينها تقييم "تيمس" الذي تنفّذه الجمعية الدولية لتقييم التحصيل التربوي وتقييم "بيزا" الدولي الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ضعفاً في نتائج التعلّم مقارنة بالمستويات المطلوبة، الأمر الذي يجعل إصلاح المناهج وطرق التدريس والتقييم وتكوين المدرّسين من أهمّ الملفات المطروحة أمام المجلس الأعلى للتربية والتعليم.

تجدر الإشارة إلى أنّ كثيرين يعوّلون على الكاتب العام للمجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس محمد علي البوغديري، وخبراته للنهوض بالقطاع التعليمي، علماً أنّه أستاذ في التعليم الثانوي وبرز في العمل النقابي. وفي مسيرته، كان ناشطاً في الاتحاد العام التونسي للشغل، قبل أن يتولّى منصب الأمين العام المساعد للاتحاد المسؤول عن القطاع الخاص. بعد ذلك، تسلّم البوغديري مهامه وزيراً للتربية في يناير/ كانون الثاني من عام 2023، قبل أن يعفيه رئيس الجمهورية قيس سعيّد من مهامه في الأول من إبريل/ نيسان من عام 2024. وفي خلال تلك المدّة القصيرة، خاض البوغديري معارك عدّة لمراجعة المنظومة التربوية في البلاد، ووضع الاستشارة الوطنية لإصلاح التعليم، ومعالجة ملفات المربّين والامتحانات العالقة، وغيرها.