تونس... تجاوزات بيئية تهدد بغلق المجمع الكيميائي في قابس

تونس

إيمان الحامدي

إيمان الحامدي
16 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 20 أكتوبر 2025 - 01:46 (توقيت القدس)
تصاعد احتجاجات قابس التونسية ضد المجمع الكيميائي
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتواصل احتجاجات التونسيين في قابس للمطالبة بتفكيك المجمع الكيميائي بسبب التلوث البيئي الذي يسبب أمراضًا خطيرة، رغم تعهد الحكومة في 2017 بنقله.
- يواجه المجمع تحديات مالية ومخالفات بيئية مثل انبعاثات ملوثة وغياب نظام لقياس جودة الهواء والمياه، مما يعيق تأهيل وحداته البيئية.
- يقترح الخبراء حلولًا تقنية ومالية مثل البحث عن تمويلات دولية واستخدام تقنيات نظيفة، وتدعو الجامعة العامة للنفط إلى تحديث التجهيزات وتعزيز الحماية البيئية.

تتواصل منذ أسابيع احتجاجات التونسيين في محافظة قابس (جنوب شرق) للمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية للمجمع الكيميائي، والتعليق الفوري لنشاطه بسبب تكرر حالات الاختناق التي تصيب المواطنين من جراء استنشاق الهواء الملوث الذي تنفثه الوحدات الصناعية للمجمع، فضلاً عن تضرر الحياة البرية والبحرية في المنطقة.
وتقع مصانع المجمع الكيميائي الذي بدأت تشغيله في عام 1972، بالقرب من الساحل والواحات البحرية التي كانت تصنف بوصفها أجمل المواقع الساحلية في محافظة قابس التي يبلغ عدد سكانها 153 ألف نسمة. وينتج المجمع حمض الفوسفوريك وفوسفات ثنائي الأمونيوم ونترات الأمونيوم، إلى جانب توفيره الأسمدة اللازمة للقطاع الزراعي.

ويقود الحراك البيئي "أقفوا التلوث" منذ سنوات، احتجاجات شعبية تطالب بتفكيك المجمع لحماية المواطنين من آثار التلوث التي ترفع معدلات الأمراض، وعلى رأسها السرطان وهشاشة العظام وصعوبات التنفس. وفي عام 2017، تعهدت الحكومة التونسية بالاستجابة لمطالب المحتجين، والبدء في تفكيك وحدات المجمع، ونقلها إلى موقع آخر، مع تطوير وسائل الإنتاج وفقاً لمواصفات الحد من آثار التلوث، غير أن القرار لم ينفذ.
ويرى خبير الطاقة التونسي حامد الماطري أن تفكيك وحدات المجمع الكيميائي، أو تعليق نشاطه، مهمة صعبة نظراً لتعلق نشاطه بقطاعات حيوية، والتزام تونس بعقود تصدير، ولا سيما الفوسفات ومشتقاته. ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "السلطات مطالبة بإيجاد حلول سريعة للحد من الأثار البيئية للصناعات الكيميائية على المجتمعات المحلية، وخفض مستويات التلوث الناجم عن سكب الفوسفوجيبس في البحر. عملية التأهيل البيئي للوحدات الإنتاجية قد تكون مكلفة، لكن ينبغي الانتقال إلى أساليب أقل تلويثاً، بينما يواجه المجمع مشاكل مالية قد تحول دون إتمام مهمة تأهيل وحداته البيئية على المدى القريب".
وكشفت وثيقة سابقة لمهمة التدقيق البيئي والاجتماعي لمواقع المجموعة الكيميائية التونسية التابعة لبنك التنمية الأفريقي، عن وجود عدد من حالات عدم المطابقة، بعضها جسيم، وأظهرت نتائج التقييم الصادر في يونيو/حزيران الماضي، أن "من بين أبرز المخالفات تسجيل انبعاثات ملوثة للهواء، منها الأمونياك، وأكاسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، إضافة إلى روائح كريهة، مع غياب نظام دائم لقياس جودة الهواء أو المياه في مصانع المجمع، ووجود تقصير في الالتزام باستخدام معدات الحماية الفردية رغم توفرها".
وأظهر التقرير تجاوز مستويات الضوضاء الحدود القانونية في بعض المناطق داخل الموقع، وضعفاً هيكلياً في إدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة، مع غياب آليات التتبع. في حين بدأ المجمع تنفيذ خطة لتحقيق المطابقة القانونية، وحماية صحة العمال والسكان، وضمان استمرارية النشاط الصناعي في إطار من المسؤولية والاستدامة بكلفة إجمالية قدرها نحو 306 ملايين دينار (105 ملايين دولار).
ويقدر الخبير في الهندسة البيئية، سامي قزبار، كلفة إعادة تأهيل الوحدات الصناعية للمجمع الكيميائي بنحو 8 مليارات دينار تونسي (2.7 مليار دولار)، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن "الحلول التقنية للحد من تلويث المجمع وضمان مواصلة نشاطه متاحة، ولا تتطلب سوى رصد الميزانيات اللازمة. المجمع مطالب منذ سنوات بتأهيل منشآته، وتركيب تجهيزات فعّالة للحدّ من التلوث، بما يضمن احترام المعايير البيئية ومتطلبات السلامة، بينما أي إصلاح جزئي لن يغيّر من الواقع شيئاً، والدولة مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة في إيجاد بدائل تعتمد تقنيات نظيفة تحترم الإنسان والمحيط".
ويضيف قزبار: "السلطات مدعوة إلى البحث عن التمويلات اللازمة من أجل إتمام تأهيل المجمع في أقرب وقت، والاتحاد الأوروبي الذي يصنف قابس نقطة سوداء في البحر المتوسط يمكن أن يساعد في توفير التمويل. الوحدات الصناعية للمجمع تسكب 6 ملايين طن من الفوسفوجيبس في البحر سنوياً، في مخالفة صريحة لكل الاتفاقيات والمعاهدات المحلية والدولية لحماية البيئة البحرية".
وتخضع إدارة الجبس الفوسفوري في تونس لعدة نصوص تنظيمية لإدارة النفايات الصناعية، من بينها مرسوم مؤرخ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2000، يُحدد الجبس الفوسفوري كنفايات تتطلب مراقبة نظراً لتركيبه الكيميائي وتأثيراته البيئية.

يتهم أهالي قابس السلطات بالمسؤولية، 23 مايو 2025 (مراد مجيد/فرانس برس)
يتهم أهالي قابس السلطات بالمسؤولية، 23 مايو 2025 (مراد مجيد/فرانس برس)

وحول الحلول الممكنة لإيجاد تمويلات عاجلة لإعادة تأهيل وحدات المجمع الكيميائي، يقول الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي، إنه يمكن للرئيس قيس سعيد استخدام قانون الموازنة للعام الحالي للحصول على قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار من السندات الإسلامية لمدة عشر سنوات، واستخدام هذه الأموال لبناء مصنع فوسفات جديد بعيداً عن قابس، مع دفع تعويضات للضحايا، ووقف الإبادة الكيميائية في المحافظة.

وتقر الجامعة العامة للنفط والمواد الكيمياوية (نقابة) بتراكم الأثر البيئي الناتج من أنشطة صناعية سابقة وظروف تشغيل قديمة تتطلّب معالجة شاملة، ما أفرز حاجة ملحّة لتحديث التجهيزات الصناعية، ورفع مستوى الحماية البيئية والمهنية. وتقول في بيان، إن "المجمع الكيميائي التونسي يُعدّ مكسباً وطنياً يساهم في الأمن الغذائي الوطني من خلال دعمه للقطاع الفلاحي، وتوفيره آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، لكنه بات في حاجة ضرورية إلى تعزيز دوره التنموي والاجتماعي في كنف احترام البيئة وضمان سلامة العاملين والمحيط".
وطالبت الجامعة بضرورة تسريع تنفيذ البرامج الحكومية المتعلقة بالتهيئة البيئية وتطوير البنية التحتية الصناعية عبر إدخال تقنيات نظيفة، وتطوير منظومات المراقبة والتحكم في الانبعاثات، إلى جانب برامج السلامة والصحة المهنية، وتعزيز التدريب على الوقاية والحماية داخل مواقع العمل. كما دعت إلى دعم مشاريع البحث والاستثمار في الطاقة النظيفة، والتقنيات الخضراء داخل القطاع الكيميائي لتعزيز تنافسيته واستدامته، ووضع خطة وطنية لمعالجة الفوسفوجيبس، وتثمينه بطرق تكنولوجية حديثة ومستدامة، ما يحدّ من الأثر البيئي، ويحافظ على ديمومة النشاط الصناعي.

ذات صلة

الصورة
مسيرة حاشدة في تونس (العربي الجديد)

سياسة

جابت مسيرة شعبية حاشدة شوارع تونس العاصمة بمشاركة قوى سياسية ومدنية وشبابية لأول مرة منذ انطلاق الاحتجاجات المنددة بقمع الحريات والاستبداد
الصورة
الشابي خلال مسيرة تضامن مع معتقلين في تونس، 9 إبريل 2023 (فتحي بلعيد/ فرانس برس)

سياسة

أثار اعتقال رئيس جبهة الخلاص الوطني التونسية المعارضة أحمد نجيب الشابي (81 عاماً) من منزله عدة ردود في تونس وموجة تضامن واسعة وغير مسبوقة
الصورة
تظاهرة في تونس ضد الظلم وقمع الحريات 22 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

سياسة

احتشد مئات التونسيين، مساء اليوم السبت، في مسيرة موحدة تضم جميع المكونات والانتماءات والفاعلين والنشطاء ضد الظلم وقمع الحريات.
الصورة
من تحرك المعلمين الفلسطينيين في الضفة الغربية - نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

مجتمع

عادت احتجاجات المعلمين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة إلى الواجهة، بعد أكثر من عامَين من تجميد حراكهم، أي مذ شنّت إسرائيل حربها على قطاع غزة.
المساهمون